رهان
شافني، ملامحه اتغيرت وقالي بنبرة لوم هادية كده برضو يا بنتي؟ ده كان شاري ومستعد يهد الدنيا عشانك.. الأستاذ لم كل ورقه وحاجته الشخصية من يومين، وقالي إنه مسافر المطار وراجع بلدهم، ومش هيرجع هنا تاني.
سألته بلهفة ودموعي في عيني بلدهم فين يا عم محمد؟ أرجوك قولي، أنا لازم ألحقه.
هز رأسه وقالي هو من طنطا يا بنتي، بس متعرفيش هتوصل لهناك إزاي وسط البلد الكبيرة دي.
مفكرتش.. أخدت الشنطة بتاعتي وطلعت على محطة رمسيس، ركبت أول قطر رايح على طنطا. طول الطريق وأنا باصة من الشباك والوقت
وصلت المحطة، ونزلت تايّهة وسط الزحمة، ومبقتش عارفة أروح فين. وقفت في نص الشارع وأنا حاسة بالدونية والعجز. طلعت تليفوني وحاولت أطلبه تاني.. وفجأة، الخط جمع! صوت الرنين كان بيرن جوة قلبي مش في التليفون.
مرة.. وتانية.. وتالتة، ولما كنت خلاص هفقد الأمل، الخط انفتح وجالي صوته المخنوق والتعيب أيوة يا.
مقدرتش أتمالك نفسي، عيطت بصوت مسموع وقُلتله أنت فين؟ أنا في محطة طنطا ومش عارفة أروح فين.. أنا
سكت الخط تماماً لثواني كأنها دهر، وسامعة صوته وهو بيتنفس بسرعة، وبعدين قالي بنبرة مليانة لهفة وذهول أنتي بتتكلمي بجد؟ أنتي هنا فعلاً؟.
قُلتله والدموع بتغرق وشي أنا هنا ومستنياك.. ومِش همشي من غيرك.
قالي ثواني وتلاقيني عندك.. أوعي تِتحركي.
قفلت السكة وفضلت واقفة وسط المحطة، وعيني بتلف في كل مكان، وكل دقة في قلبي بتعد الثواني. وبعد أقل من ربع ساعة، شفته.. كان جاي بيجري من بعيد، ملامحه
وصل قدامي، وقف وهو بيلهث، وبصلي بنظرة مليانة حب وعتاب وشوق، ومد إيده ليا تاني.. بس المرة دي، مكنش فيه موظفين، ولا أكس، ولا رهان، ولا كبرياء تافه.
المرة دي ممدتش إيدي.. أنا رميت نفسي في حضنه وسط المحطة والناس، وبكيت بكل قوتي عشان أغسل كل سنين الحرمان والخوف والوجع، وهو ضمّني بقوة كأنه بيقفل عليا جوة قلبه للأبد، وهمس في ودني بصوت كله راحة ويقين المرة دي.. مفيش تمثيل، ومفيش رهان.. المرة دي أنتي في مكانك الصح، وجوه قلبي اللي عمره ما حب ولا