رهان

لمحة نيوز

ردي، وكنت محتارة بين قلبي اللي بيصرخ وبيركض ناحيته، وعقلي اللي لسه رافع راية الشك..
ساد الصمت في الصالة الكبيرة، لدرجة إني كنت سامعة صوت دقات قلبي وهي بتصارع الشك والخوف اللي جوايا. العيون كلها كانت معلقة عليا، مستنيين خطوتي، مستنيين البطلة توافق على المشهد الرومانسي وتنهي القصة بنهاية سعيدة.
بس أنا مكنتش بطلة في رواية، أنا كنت إنسانة لحم ودم، اتوجعت واتكسرت وبكت قهر طول الليل بسبب رهان.
بصيت لإيده الممدودة، وبعدين رفعت عيني وبصيت في عينه أوي. شفت فيهم الرجاء، وشفت كمان الخوف من الفضيحة ورفضي ليه قدام الموظفين. في اللحظة دي، عقلي اشتغل بأعلى كفاءة وقالي الراجل ده مستعد يعمل أي حاجة عشان يكسب، حتى لو هيضحي بكبريائه مؤقتاً عشان يلم برستيجه اللي اتبعثر قدام الأكس وصاحبه.
أخدت نفس طويل، مسحت دموعي بطرف صباعي بكل ثبات، ورجعت خطوة لورا. نزلت إيده ببطء من غير ما ألمسها، وقُلت بصوت واضح وواثق سمعوه كل اللي واقفين أنا بشكرك يا فندم على الشجاعة دي وعلى العرض ده.. بس مشاعري مش مجال للتعويض، ولا هي جايزة بنكسبها لما نخسر الرهان الأولاني.
الملامح على وشه اتجمدت، وإيده الممدودة نزلت لجنبه كأنها انضربت بالرصاص. الهمسات رجعت تاني في المكان بس بنبرة أقوى، وصاحبه اللي كان واقف بعيد ابتسم بتهكم وسخرية، وده خلّى مديري يتوجع أكتر، كبريائه اتهان في مقتل وتاني مرة في أقل من 24 ساعة.
قُلتله وأنا بنهي المشهد تماماً استقالتي نافذة، وبتمنالك التوفيق في صفقاتك ورهاناتك الجاية.
لفيت ضهري ومشيت وسط نظرات الذهول من كل الموظفين. خرجت من باب الشركة الكبيرة وأنا حاسة بوزن جبل انشال من على صدري. لأول
مرة أحس إني بتنفس بجد، إني غسلت إهانة إمبارح، وإني أخدت حقي وحق سنين الحرمان والخوف كامل مكمل.
ركبت تاكسي وروحت البيت، قفلت تليفوني تماماً، ومسحت كل صفحات التواصل بتاعتي، كنت عايزة أنعزل عن العالم، عايزة أداوي قلبي اللي اتهرس في اللعبة دي بعيد عن أي ضغط.
مر أسبوع كامل وأنا في بيتي، أهلي كانوا حاسين إن فيا حاجة بس مكنتش بتكلم، كنت بقضي وقتي كله في التفكير هل اللي عملته كان صح؟ هل قسيت عليه وهو كان صادق في اعتذاره قدام الناس؟ ولا أنا حميت نفسي من فخ أكبر؟
وفي اليوم الثامن، الباب خبط. قمت فتحت وأنا فاكرة إنه دليفري أو حد من الجيران، بس اتصدمت لما لقيت اللي واقفة قدام الباب هي الأكس بتاعته!
كانت لابس شيك جداً، وواقفة وباصة لي بنظرة مختلفة تماماً عن نظرة الخبث والشماتة بتاعة المطعم. بصتلي وقالت بنبرة هادية ومستغربة أنا عارفة إنك مصدومة إني هنا، بس أنا مكنتش جاية أضايقك.. أنا جاية أقولك على حاجة لازم تعرفيها، عشان ضميري ميتعبنيش أكتر من كده.
وسعت لها الباب وأنا مش فاهمة حاجة، ودقات قلبي رجعت تدق بعنف وهي داخلة وبتقعد في الصالون..
قعدت الأكس في الصالون، حطت شنطتها على الترابيزة وبصتلي بنظرة طويلة مليانة هدوء وعلامات استفهام، وكأنها بتعيد حساباتها في البنت اللي واقفة قدامها. أنا كنت واقفة ومكتفة إيديا، مستنية أعرف إيه اللي جابها لحد بيتي، وإيه الحكاية الجديدة اللي هتدخل حياتي بسبب الشخص ده.
أخدت نفس طويل وقالت بصوت هادي أنا عارفة إنك مستغربة جيتي، ويمكن تكوني كرهاني وشايفاني سبب في كل اللي حصل.. بس أنا جاية أصلح غلطة شاركت فيها من غير ما أظلمك.
سكتت لحظة وبصت في الأرض وبعدين
كملت يوم ما عزمناكم في المطعم، أنا مكنتش جاية أباركلكوا بجد، أنا كنت جاية بهدف واحد.. إني أرجعله. هو لما قالي إنه خطبك، الدنيا اسودت في عيني وحسيت إني خسرته للأبد، فقررت أتحداه وأخليه يوريني خطيبته دي. بس لما شفتك، وشفت نظرة عينه ليكي في المطعم.. عرفت إن الموضوع مش تمثيلية.
سألتها باستغراب ونبرة حادة مش تمثيلية إزاي؟ ده هو نفسه اعترف بالرهان، وأنا سمعته بودني وهو بيكلم صاحبه ويقوله البنت دايبة فيا من قبل ما تشتغل معايا والرهان مضمون!.
الأكس هزت رأسها وقالت بابتسامة باهتة صاحبه ده يبقى أخويا.. وهو اللي حكالي كل حاجة بعد اللي حصل في الشركة. الرهان ده مكنش على مشاعرك إنتي، الرهان كان بين مدِيرك وأخويا على كبرياء مدِيرك نفسه! أخويا كان دايماً بيعيره إنه مش عارف يصارحك بحبه، وكان بيقوله البنت دي شيفاك مجرد مدير ومستحيل تبصلك، وإنك بتضيع وقتك في مراقبتها من بعيد. مدِيرك من كتر ما كان خايف من الرفض، كابر قدام أخويا وقاله لأ دي دايبة فيا وأنا قادر أثبتلك ده في أسبوع.. واخترع حكاية الأكس والتمثيلية دي عشان يلاقي مبرر يخليه يقرب منك ويتكلم معاكي براحته من غير ما يظهر في صورة الضعيف اللي بيترجاكي تحبيه.
الكلام نزل عليا كأنه مية ساقعة، وقفت مذهولة ومبقتش قادرة أنطق، والأكس كملت كلامها هو غلط.. غلط لما دخل مشاعرك في رهان تافه عشان يحمي برستيجه قدام صاحبه. بس اللي حصل في الشركة مكنش مسرحية تانية عشان يلم برستيجه زي ما إنتي افتكرتي. الراجل ده بعد ما إنتي مشيتي وسيبتيه في المطعم، دخل في خناقة كبيرة مع أخويا وقطع علاقته بيه تماماً، ويوم ما اعتذرلك قدام الشركة كلها، هو كان عارف إنه بيمضي
على وثيقة نهاية هيبته كمدير قدام الموظفين، بس مكنش فارق معاه غير إنه يراضيكي. هو دلوقتي ساب الشركة بقالها 4 أيام، وقفل مكتبه، وقرر يسافر.. ومحدش عارف طريقه.
قامت الأكس من مكانها، مسكت شنطتها وبصتلي للمرة الأخيرة وقالت أنا جيت أقولك الحقيقة عشان ميبقاش ليا ذنب في كسر قلبين.. هو غلطان في أسلوبه، بس هو حبك بجد لدرجة إنه داس على كبريائه اللي عاش طول عمره بيحميه.. القرار دلوقتي في إيدك.
سابتني ومشيت، وقفلت الباب وراها.. وأنا فضلت واقفة في نص الصالة، الحقيقة كلها اتقلبت في عيوني، والغضب والشماتة اللي كنت حاسة بيهم اتبخروا وحل مكانهم إحساس بالخوف والندم.
هل أنا تسرعت لما دبحته قدام الموظفين؟ هل حبه اللي كنت بتمناه سنين ضاع مني في اللحظة اللي قرر فيها يتخلى عن كبريائه عشاني؟
جريت على تليفوني، فتحته بسرعة وأنا إيدي بترتعش، وطلبت رقمه.. بس الشاشة ظهرت بعبارة هذا الهاتف مغلق..
الجملة نزلت على مسامعي وخلت قلبي يقف. هذا الهاتف مغلق.. الكلمة دي كانت بتعلن إن القطار فات، وإن الرد القاسي اللي رديته عليه قدام الموظفين كان الرصاصة اللي موتت كل حاجة حلوة كانت ممكن تتولد بيننا.
قعدت على الأرض والدموع المرة دي نزلت بجد، دموع ندم ووجع وخوف من إني أكون ضيعت حب عمري بسبب لحظة كبرياء أعمى. فضلت طول الليل صاحية، باصة للشاشة ومستنية المعجزة، مستنية رقمه ينور، بس مفيش فايدة.
تاني يوم الصبح، مكنش قدامي غير حل واحد. نزلت وجريت على الشركة، دخلت وأنا مش شايفة حد من الموظفين ولا فارق معايا نظراتهم ولا همساتهم. روحت ل عم محمد الساعي القديم اللي في الدور بتاعه، الراجل الطيب اللي دايماً كان بيبقى عارف
دبة نملة الأستاذ.
أول ما
تم نسخ الرابط