رهان

لمحة نيوز

بصوت عالي وقالت له يا خسارة.. طول عمرك فاكر نفسك أذكى واحد في المكان، وطلعت في الآخر مضحوك عليك! برافو عليكي يا بنتي والله، علمتي عليه صح.
وقفت بكل هدوء، لمت شنطتي، وبصيت له للمرة الأخيرة وقُلت بنبرة خالية من أي مشاعر اللعبة خلصت يا فندم. والرهان اللي كنت فاكر إنك كسبته، إنت خسرت فيه أكتر بكتير من مجرد فلوس.. خسرت احترامك لنفسك قبل أي حد تاني. وبخصوص الشغل، استقالتي هتكون على مكتبك أول ما ترجع.
سيبتهم ومشيت، خطوتي كانت ثابتة وقوية، وصوت كعبي في المكان كان بيعلن انتصاري المزيف اللي داريت بيه قلبي المدبوح. خرجت للشارع وأنا حاسة بنسمة هوا باردة بتخبط في وشي، المرة دي مدمعتش.. المرة دي كنت بحاول أجمع شتات نفسي وأنا مش عارفة الخطوة اللي جاية إيه.. ولا هو هيسكت على اللي عملته فيه وفي كبريائه قدام الأكس بتاعته ولا لأ..
رجعت البيت وأنا جوايا حرب مش بتهدى. الوجع كان لسه بياكل في قلبي، بس إحساس القوة المزيفة اللي ظهرت بيها قدامهم كان مديني شوية تماسك. قعدت على السرير وبدأت أكتب استقالتي على اللاب توب، كل حرف كنت بكتبه كان بيقطع جزء من حلم عشته سنين، بس مكنش ينفع أتراجع، كرامتي كانت الخط الأحمر الوحيد اللي فاضلي.
طول الليل تليفوني مبطلش رن.. رقمه كان بينور الشاشة ورا التانية، بس مكنتش برد. بعت رسائل كتير ورا بعض لازم نتكلم، أنتي فاهمة غلط، اديني فرصة أشرحلك. مسحت كل الرسائل من غير ما أفكر أرد على واحدة منهم، ونمت وأنا واخدة قرار إن الصفحة دي اتقفلت للأبد.
تاني يوم الصبح، روحت الشركة بدري جداً قبل ما حد يوصل، حطيت ورقة الاستقالة على مكتبه، ولميت كل حاجتي الشخصية في
شنطة صغيرة، وكنت لسه بتلف عشان أمشي، لقيت الباب بيتفتح وهو واقف قدامي.
ملامحه كانت متغيرة تماماً، مكنش فيها البرود ولا الثقة ولا الكبرياء بتاع زمان، كان باين عليه التعب والقلة، وعينه فيها نظرة رجاء عمري ما شفتها فيه قبل كده. قفل الباب وراه بسرعة وقالي بنبرة صوت مخنوقة أنتي مش هتمشي يا، مش هسمحلك تضيعي نفسك وتضيعيني بالطريقة دي.
بصيت له ببرود وسحبت شنطتي وقُلت أظن الاستقالة على مكتبك، ومبقاش ليا مكان هنا، والمسرحية خلصت والجمهور مشي.
قرب مني خطوة وسحب ورقة الاستقالة وقطعها نصين قدام عيني وهو بيقول بعصبية مكتومة مش هقبلها! ومش هسيبك تمشي وأنتي فاهمة إني كنت بتسلى بيكي. الرهان ده كان أكبر غلطة عملتها في حياتي، أنا معترف.. بس والله العظيم ما كان تسلية.
ضحكت بسخرية وقُلتله أمال كان إيه؟ تجربة علمية على مشاعري؟ أنا سمعتك بودني وأنت بتقول لصاحبك إنك ضمنت الرهان لإن البنت دايبة فيك! كنت بتضحك عليا وعلى سنين الحرمان اللي عشتها وأنا ببص لك من بعيد!.
سكت للحظة، وبص في الأرض كأنه مش قادر يواجه عيني، وبعدين رفع رأسه وقال بصوت واطي ومليان وجع لأني كنت غبي.. كنت بكابر قدام صاحبي عشان ميبانش إني أنا اللي واقع ومش عارف أطولك. التمثيلية دي مكنتش عشان أضايق الأكس، التمثيلية دي كانت الحجة الوحيدة اللي لقيتها عشان أقرب منك، عشان أسمع منك الكلام اللي كنت بموت وأسمعه بس خايف أقوله ليكي ترفضيني.. صاحبي لما قالي إنك بتحبيني، أنا أنكرت وكابرت وعملت الرهان ده بس عشان أثبت لنفسي إني مش واهم، وعشان أخلّيكي تعترفي.
الكلام نزل عليا زي الصدمة، بس قلبي اللي اتكسر مكنش قادر يصدق بسهولة. بصيت
له ودموعي لأول مرة تخونني وتنزل وقُلتله عايزني أصدق إن الحب بييجي بالرهان والكسرة قدام الناس؟ أنت رخصتني يا فندم.. رخصتني أوي.
قرب أكتر ومسك إيدي، والمرة دي مكنتش لمسة تمثيل، كانت إيده بترتعش وهو بيقول أنا رخصت نفسي أنا، وضيعت البنت الوحيدة اللي حبتني بجد عشان كبرياء تافه. أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان تصدقيني.. ومستعد أصلح كل اللي حصل قدام الدنيا كلها.
في اللحظة دي، تليفونه رن بصوت عالي، وكان اسم صاحبه اللي عمل معاه الرهان منور الشاشة.. بصيت للتليفون وبصيت له، وهو كان واقف متردد يرد ولا يكمل كلامه معايا، والتوتر رجع يملى المكان من تاني..
بصيت للشاشة اللي بتنور باسم صاحبه، وابتسمت بوجع وقُلتله رد.. رد على صاحبك، يمكن يسألك الرهان صفي على إيه النهاردة، أو يمكن تطلعوا برهان جديد عليا.
مد إيده بسرعة وقفل التليفون تماماً، ورماه على المكتب كأنه بيهرب من الحقيقة، وبصلي وعينه فيها رجاء حقيقي وقال مش هرد على حد، ومبقاش فيه حد يهمني غيرك. أنا عارف إن الكلام مش كفاية، وإن الوجع اللي سببتهولك كبير، بس أنا شاري ومش مستعد أخسرك.
سحبت إيدي من إيده بقوة وقُلتله اللي بيشتري حد مبيحطهوش في خانة التسلية يا فندم. أنت لعبت بمشاعري عشان ترضي غرورك، وجاي دلوقتي لما اللعبة باظت تقولي شاري؟ أنا مش لعبة في إيدك وقت ما تحب تلعب بيها ولما تمل ترميها.
مشيت خطوتين ناحية الباب، وقف في طريقي ومنعني أعدي وهو بيقول طب اديني فرصة واحدة.. فرصة واحدة أثبتلك فيها إن كلامي صح. أنا هصلح كل حاجة، والنهاردة.
قُلتله بسخرية هتصلح إيه؟ الكسر اللي جوة مبيتصلحش بكلمتين.
سابني وخرج من المكتب بسرعة، ومكنتش
فاهمة هو رايح فين. لمت حاجتي وقررت أمشي ومستناش، بس أول ما فتحت الباب وخرجت لصالة الشركة الكبيرة، لقيت كل الموظفين واقفين، وهو واقف في وسطهم.
أول ما شافني خارجة، اتكلم بصوت عالي ومسموع للكل يا جماعة، لو سمحتوا كلكوا اسمعوني دقيقة. المكان كله سكت، وكل العيون اتوجهت لينا. كمل كلامه وهو بيبصلي أنا أنا عايز أعتذر قدامكم كلكم ل، أنا عملت غلطة كبيرة في حقها، وكنت غبي لدرجة إني كابرت في مشاعري تجاهها. أنا مش بس بحترمها كزميلة، أنا بحبها، والتمثيلية اللي حصلت الفترة اللي فاتت دي كانت غباء مني لاني مكنتش عارف أقولها الحقيقة إزاي. وأنا هنا قدامكم كلكم بطلب منها تسامحني، وبطلب إيدها للجواز بشكل رسمي، ومش هقبل إنها تمشي من الشركة ولا من حياتي.
المكان كله اتقلَب، همسات الموظفين ونظراتهم الذهول مكنتش تتواصف. صاحبه اللي كان معاه في الرهان كان واقف بعيد، ملامحه كانت مصدومة ومكنش متوقع إن صاحبه هيكسر كبريائه بالطريقة دي قدام الشركة كلها عشان بنت.
وقفت في مكاني، رجلي مكنتش شايلاني. الدموع اللي حبستها نزلت، بس المرة دي مكنتش عارفة هي دموع وجع، ولا دموع صدمة من اللي بيعمله. كبريائه اللي دبحني بيه إمبارح، كسرُه النهاردة تحت رجلي وقدام الكل.
قرب مني خطوة وسط سكوت الكل، ومد إيده ليا وهو مستني ردي.. عينيه كانت بتقول أنا اتخليت عن كل حاجة عشانك، بس قلبي كان لسه خايف، وورا كل المشهد الدرامي ده، كان فيه سؤال بيلح عليا هل هو بيعمل كده فعلاً عشان بيحبني؟ ولا ده مجرد مشهد جديد في مسرحية تانية عشان ينقذ كبريائه قدام صاحبه بعد ما أنا فضحت الرهان قدام الأكس؟
بصيت لإيده الممدودة، وبصيت لعيون
الموظفين اللي مستنيين
تم نسخ الرابط