جوزى طلقنى

لمحة نيوز

بتمد إيدها على مكان أكل عيشها تاخد جزاها.
مشينا في الممر الطويل لحد ما وصلنا لمكتب الأستاذ فوزي. المكتب كان في الدور الأخير، مساحته ضخمة وفرشه فخم جداً ويخوف. كان قاعد ورا مكتبه العريض، راجل ستيني ملامحه صارمة ونظراته تقطع النفس. ولما دخلنا، اتفاجأت بوجود أحمد.. كان قاعد على كرسي في زاوية المكتب، وشه في الأرض، وإيديه بترتعش، ومش قادر يرفع عينه في عيني.
الأستاذ فوزي بصلي بنظرة فاحصة وقال بنبرة غليظة مدام سلمى.. الأستاذة ريم قدمتلي تقرير مرعب عن ميزانية الحملات الأخيرة. فيه مبالغ ضخمة اختفت، والتحويلات كلها ممتومة من أجهزة القسم بتاعك، وفيه مستندات بتمضيتك بتثبت إنك استلمتي مبالغ نقدية وموردتيهاش للحسابات. عندك تفسير للكلام ده قبل ما نطلب شرطة الأموال العامة؟
ريم اتكلمت بسرعة وبنبرة متصنعة الأسف يا فندم، أنا حاولت أساعدها لما عرفت ظروف طلاقها، وشغلتها معايا.. بس للأسف، شكلها حبت تنتقم من طليقها أحمد اللي شغال معانا، وتدمر الشركة اللي بتكبرنا.
أحمد فتح بوقه عشان يتكلم، ملامحه كانت بتقول إنه عايز يصرخ ويقول لأ، بس نظرة واحدة حادة ومثبتة من ريم لجمته تماماً، وافتكر الشيكات اللي معاها فرجع سكت ونزل راسه تاني.
بصيت للأستاذ فوزي وقولت بمنتهى الهدوء يا فندم.. الكلام ده كله ملوش أي أساس من الصحة. والتقرير اللي مع ريم ده ورق متفبرك عشان يشيلوني ليلة هما اللي عاجنينها وخابزينها.
المدير العام زعق إنتي هتكذبي المستندات والامضاءات اللي قدامنا؟
حطيت إيدي في جيب الجاكت وطلعت الموبايل، وقولت المستندات دي تترمي في الزبالة يا فندم قدام الحقيقة اللي معايا.. أنا مكنتش براجع حسابات وبس، أنا كنت بسمع وبسجل.
ريم وشها بدأ يتغير، والابتسامة اختفت فجأة من على وشها.
فتحت الموبايل وشغلت السبيكر على أعلى صوت.. وبدأ صوت ريم يملى المكتب الفخم وهي بتقول لأحمد في نص الليل القانون لا يحمي المغفلين يا حبيبي! إنت مجرد واجهة.. سِتار. الأستاذ فوزي محتاج اسم نضيف ملوش سوابق عشان يشيل الليلة لو الحبل اتزنق.. وإنت كنت الصيد السهل.. سلمى الحرباية شكلها بدأت تفهم وتنبش ورايا، أنا هسيب الورق ده في مكتب المدير وبكرة الصبح هتقدم شكوى فيها بالاختلاس..
المكتب كله اتقلب في ثانية. أحمد رفع راسه وبص لريم بصدمة وغِل، والمدير العام اتسمر مكانه.
لكن المفاجأة الأكبر كانت رد فعل الأستاذ فوزي.. الراجل وشه احمر وعروقه برزت، وقام وقف على حيله وبص لريم بنظرة غضب تقتل، وزعق بصوت زلزل المكان بقى أنا يا ريم بستخدم المغفلين عشان أشيل الليلة؟ أنا اسمي يترمي في وسط قذارتك إنتي والشركات الوهمية اللي بتغسلي من ورايا فيها فلوس؟
ريم بدأت تترعش، وجريت على مكتب الأستاذ فوزي وهي بتبكي وتتأتأ يا فندم.. والله العظيم الكلام ده ملوش أساس.. دي فبركة ومونتاج بصوت ذكاء اصطناعي.. سلمى عايزة تنتقم مني!
الأستاذ فوزي داير مكتبه وضغط على
زرار الإنتركوم وقال بحزم الأمن يمنع ريم السيوفي وأحمد من الخروج من المبنى، واطلبولي شرطة المصنفات والأموال العامة فوراً.
أحمد قفش في قميص ريم وهو بيصرخ زي المجنون دمرتيني! دمرتي بيتي وحياتي وضيعتيني.. منك لله!
وسط الفوضى دي والزعيق والانهيار، بصيت عليهم والدموع في عيني.. بس المرة دي دموع انتصار. لفيت ضهري وبدأت أمشي ناحية الباب عشان أخرج، لكن الأستاذ فوزي ناداني بصوت هادي مدام سلمى.. استني.
اتلفت ليه، فبصلي باحترام وقال أنا بعتذر لك نيابة عن المكان.. والتسجيل ده إنتي هتحتاجيه في النيابة كشاهدة، والشركة من بكرة هتعوضك عن كل اللي شوفتيه.
هزيت راسي وخرجت.. وسبت ريم وهي بتقع في الفخ اللي حفرتهولي، وأحمد وهو بيدفع تمن غبائه وخيانته.
لكن وأنا نازلة في الأسانسير، تليفوني رن تاني.. المرة دي كان رقم غريب وجديد خالص، فتحت الخط وجاني صوت راجل مجهول ومرعب بيقول فاكرة إن اللعبة خلصت يا سلمى؟ ريم وأحمد دول مجرد قشور.. لو التسجيل ده وصل للنيابة، مش هتلحقي تفرحي بانتصارك.. والمرة الجاية مش هتكون ورق وقضايا، دي هتبقى حياتك.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
وقفت في الأسانسير وأنا حاسة إن الهوا اِتسحب من الرئتين عندي. النبرة بتاعة الراجل كانت هادية لدرجة مرعبة، مفيهاش أي انفعال، وده اللي خلاني أتأكد إن التهديد مش مجرد كلام عابر.
الخط قفل.
نزلت من المبنى الإزاز وأنا ببص حواليا برعب، بقيت شايفة كل بني آدم ماشي في الشارع كأنه هو صاحب الصوت. ركبت أول تاكسي قابلني وروحت على بيتي وأنا بقفل الترباس ورايا بألف قفل.
قعدت في الصالة، تليفوني مبيفصلش رن.. أرقام من الشركة، وأرقام تانية غريبة، بس مكنتش برد على حد. فتحت اللابتوب وبسرعة رفعت نسخة تانية من التسجيل على حساب سري مفيش مخلوق يعرفه، وبعت النسخة القديمة لإيميل محامي معروف كنت سألت عليه عشان يحميني.
مرت ساعات الليل كأنها سنين، لحد ما الفجر أذن. نمت من التعب ساعتين وصحيت على خبط رزين وقوي على الباب.
قلبي سقط في رجلي. قربت من العين السحرية براحة وأنا برتعش.. لقيتها حماتي!
فتحت الباب بذهول. الست كانت باينة عليها الكسرة، وشها دبلان وعينيها حمرا من العياط. أول ما شافتني، سابت عكازها وارتمت في حضني وهي بتعيط بحرقة الحقيني يا سلمى.. أحمد ضاع يا بنتي.. أحمد اِتقبض عليه من البيت الفجر، والبوليس قلب شقته في التجمع، وريم اِتقبض عليها هي كمان في المطار وهي بتحاول تهرب!
دخلتها وقعدتها وأنا بحاول أستوعب. حماتي مسكت إيدي وبستها وهي بتذلل ليا أنا عارفة إن ماليش عين أطلب منك حاجة.. وعارفة إنه ظلمك وداس عليكي.. بس ده ابنيا يا سلمى، غبي واتضحك عليه، المحامي قالنا إن الورق كله ضده، وإن الست دي لَبّسته قضية غسيل أموال واختلاس توديه ورا الشمس.. ريم قالت في التحقيق إن أحمد هو اللي كان بيدير كل حاجة! المحامي بيقول إن طوق النجاة الوحيد لأحمد
هو التسجيل اللي معاكي.. أرجوكي يا بنتي.. أنقذي ابن عمك من السجن.
بصيت لحماتي، الست اللي ياما جت عليا وياما كسرت بخاطري عشان ترضي ابنها، ودلوقتي جاية مكسورة بتترجاني. وفي نفس الوقت، افتكرت مكالمة التهديد المرعبة. لو قدمت التسجيل عشان أنقذ أحمد أو أثبت التهمة على ريم، الراجل المجهول ده ممكن ينهي حياتي. ولو سكت، أحمد هيشيل الليلة لوحده وريم ممكن تطلع منها لو معاها حيتان كبار بيحموها.
وقفت في نص الصالة، مشتتة بين خوفي على حياتي، وبين رغبتي إني أظهر الحقيقة وآخد حقي وحق السبع سنين اللي ضاعوا من عمري.
حسمت أمري.. وبصيت لحماتي وقولت أنا هروح النيابة يا طنط.. بس مش عشان أحمد.. أنا هروح عشان نفسي.
لبست ونزلت، وطلبت من المحامي بتاعي يقابلني قدام سرايا النيابة. وأنا نازلة من باب العمارة، لمحت عربية سودا بازاز فاميه واقفة على أول الشارع، أول ما مشيت، العربية بدأت تتحرك ورايا ببطء..
دخلت مبنى النيابة، الأجواء كانت مشحونة جداً. ووسط الممر، شوفت ريم وهي قاعدة مع حرس، مكلبشة، وشها كان خالي من أي ميكاب، باهتة ومرعوبة، وأول ما شافتني عينها برقت بغل وخوف. وعلى الناحية التانية كان أحمد، قاعد على
الأرض، حاطط راسه بين ركبه وبيعيط زي العيل الصغير.
المحامي بتاعي قرب مني وهمس في ودني سلمى.. الأستاذ فوزي اِتقبض عليه هو كمان من ساعة.. الموضوع أكبر بكتير من شركة تسويق، دي شبكة دولية.. ودخولك هنا بالشهادة والتسجيل ده معناه إنك بتفتحي عش الدبابير على نفسك.. إنتي متأكدة من خطوتك؟
قبل ما أرد على المحامي، لقيت عسكري يقرب مننا وينادي بصوت عالي مدام سلمى اِتفضلي، وكيل النيابة مستنيكي جوة لحلف اليمين وتقديم الأحراز.
بصيت ورايا، لقيت راجل طول بعرض واقف في آخر الممر، لابس نظارة سودا، وبصلي ورفع إيده ولمس ساعته.. كأنه بيقولي وقتك خلص. نفس حركة الراجل اللي شوفته بيراقبني تحت بيتي!
قدمت خطوة ناحية مكتب وكيل النيابة، وأنا عارفة إن الخطوة دي هي اللي هتحدد.. يا إما هكون الضحية اللي بتتصفى حساباتها، يا إما هكون الست اللي دمرت أكبر شبكة فساد عشان تجيب حقها.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
أخذت نَفساً عميقاً، وتجاهلت نظرة الرجل الواقف في آخر الممر وساعته التي يهددني بها. في تلك اللحظة بالذات، انقشع الخوف من قلبي تماماً؛ تذكرت الورقة الصغيرة التي استلمتها من المحكمة، وتذكرت كسرة نفسي وأنا أبيع خاتم ذهبي لأدفع الإيجار، وتذكرت السبع سنوات التي ضاعت هباءً. لو تراجعت الآن، سأظل هربانة وخائفة طوال حياتي.
دخلت مكتب وكيل النيابة، وخطواتي كانت ثابتة لأول مرة.
جلس وكيل النيابة وخلفه جبال من الملفات، وبص لي بنظرة فاحصة وقال مدام سلمى.. إنتي طلبتي الإدلاء بأقوالك وتقديم أحراز في القضية رقم الخاصة بشركة النور. اتفضلي، قولي كل اللي عندك.
رفعت عيني وأقسمت اليمين، ثم أخرجت الفلاشة التي نقلت عليها التسجيلات
ووضعتها على مكتبه. وقلت بنبرة قوية يا فندم، أنا مش مجرد شاهدة.. أنا كنت الضحية اللي ريم وأحمد والأستاذ فوزي كانوا عايزين يلبسوها القضية. الفلاشة دي عليها تسجيل كامل بصوت ريم وأحمد من داخل مكتب الشركة، وفيها اعتراف صريح من ريم إن الأستاذ فوزي بيستخدم أحمد ك ستار وغطاء لعمليات غسيل أموال وتجارة مشبوهة، وإنهم بيفبركوا عقود باسمي عشان أكون كبش الفداء.
وكيل النيابة أخذ الفلاشة وأمر بتشغيلها فوراً. ومع كل الكلمات التي كانت تخرج من اللابتوب بصوت ريم الواضح وجبروتها، وصوت أحمد المكسور، كانت ملامح وكيل النيابة تزداد جدية وحدّة.
طلب وكيل النيابة استدعاء المتهمين للمواجهة.
دخلت ريم أولاً، كانت تحاول التماسك، لكن بمجرد أن واجهها وكيل النيابة بالتسجيل الصوتي والتحويلات البنكية التي تطابقت مع التواريخ المذكورة في كلامها، انهارت تماماً. بدأت تصرخ وتبكي أنا ماليش دعوة.. أنا كنت بنفذ أوامر الأستاذ فوزي.. هو اللي قالي اعملي كدة وهو اللي كان بياخد الفلوس الكبيرة ويحولها برة!
ثم دخل أحمد.. التقت عيناه بعيني، فبكى بحرقة وارتمى على الأرض وقال أنا غلطت يا فندم.. طمعت وعمتني الغمامة، بس والله ما كنت أعرف إنها شبكة غسيل أموال.. ريم استغلتني ومضتني على كل حاجة.. سلمى بريئة ملهاش ذنب، أنا اللي أستاهل كل اللي يجرالي.
أمر وكيل النيابة بحبس ريم وأحمد والأستاذ فوزي 15 يوماً على ذمة التحقيق، مع التحفظ على أموالهم ومنعهم من السفر، وتوجيه تهم الجنايات وغسيل الأموال والتزوير إليهم. أما أنا، فنظر إليّ وكيل النيابة باحترام وقال بناءً على شهادتك والأدلة المادية اللي قدمتيها، إنتي بريئة تماماً من أي اتهام يا مدام سلمى، والنيابة هتوفر ليكي الحماية اللازمة كشاهد رئيسي في قضية أمن دولة.
خرجت من مكتب وكيل النيابة وأنا أشعر أنني ولدت من جديد. نظرت لأحمد وريم وهما يُقادان إلى الحجز بالكلابشات.. ريم التي كانت تظن أنها تملك الدنيا بمالها وشياكتها، وأحمد الذي باع بيته وسنوات عمرنا من أجل وهم، كلاهما سقط في بئر أعماله.
عند خروجي من مبنى النيابة، كان المحامي الخاص بي يقف ومعه قوتان من الحراسة تم تخصيصهما لحمايتي ومراقبة بيتي بعد أن أبلغنا النيابة بمكالمة التهديد، وبالفعل تم تتبع الرقم والقبض على الشخص الذي هددني، والذى تبين أنه يعمل لصالح الأستاذ فوزي وكان يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
حماتي كانت واقفة تنتظرني على رصيف النيابة، نظرت إليّ بدموع وعجز، فلم أقل لها شيئاً.. تجاوزتها وركبت سيارتي التي اشتريتها مؤخراً من مستحقاتي ومكافأة نهاية الخدمة القانونية التي أُلزمت بها الشركة تعويضاً لي.
فتحت شباك السيارة، واستنشقت هواء الحرية الحقيقي. السبع سنوات لم تضيع، بل كانت درساً قاسياً جعل مني امرأة قوية لا تكسرها الأيام. رفعت رأسي للسماء بابتسامة صافية، وعلمت أن الحكاية لم تنتهِ بخراب بيتي، بل بدأت بانتصار كرامتي
وحياتي الجديدة التي صَنعتها بنفسي.. ومن الصفر.

تم نسخ الرابط