جوزى بيفضل طليقته

لمحة نيوز

البكاء. مكنش عياط ضعف، كان عياط ندم فات أوانه، عياط راجل اكتشف إنه هدم بيته بإيده، وباع اللي اشترته بأرخص تمن، عشان يلاقي نفسه في الآخر لوحده.. لا طال نادية، ولا نال رضا هند.
قرار نادية النهائي
خالد مابطلش محاولات.. كان كل يوم يقف قدام بيت أهل نادية بالساعات، يبعت ناس وصحاب ويدخل وسائط عشان المية ترجع لمجاريها. كان بيحلف لكل اللي يكلمه إنه عرف قيمتها، وإن هند دي كانت غمة وانزاحت عن عينه، وإنه مستعد يكتب لها البيت باسمها بس ترجع.
لكن نادية المرة دي كانت واحدة تانية. الوجع اللي شافته وهي بتموت لوحدها، والمنظر اللي شافته في المستشفى، خلى قلبها يقسى قسوة هي نفسها مكنتش تتخيلها. كانت كل ما تضعف أو تفتكر له ذكرى حلوة، تفتكر كوباية العصير اللي كان بيشربها ل هند، فتقوم وتنفض عنها أي حنين. أهل نادية كمان كانوا حائط صد مبيتهزش. أخوها أحمد كان رده واحد لكل اللي يتوسطوا الرجل اللي استرخص مراته وهي في ذمة الله، ملوش عندنا أمان. بنتنا مش للبيع ولا للشراء، والباب اللي اتقفل مش هيتفتح تاني.
لما لقى خالد إن مفيش فايدة، بدأ يضغط بورقة البيت والمنقولات، ويقول مش هطلق إلا لما تبري ذمتي من كل حاجة. كان فاكر إنهم هيخافوا على شقاهم ويرجعوها له. لكن رد نادية كان الصدمة اللي مكنش يتوقعها. طلبت تقابله في حضور أهلها، ولما جه ودخل وهو فاكر إنها هتلين، بصت له بعين باردة وقالت له بمنتهى القوة
يا خالد، الفستان اللي استخسرته فيا، والبيت اللي بتهددني بيه، وكل مليم صرفته.. مايسووش عندي لحظة واحدة من اللي عشتها وأنا حاسة إني هوا جنبك. أنا ببيعك بجد، ببيعك من قلبي قبل ما أبيعك على الورق. طلقني يا خالد، وبالنسبة لحقوقي، فكرامتي اللي إنت دوست عليها أغلى من أي قايمة وأي عفش.
أهلها ضغطوا عليه بكل الطرق القانونية والودية، وبان ل خالد إن مفيش رجوع، وإن نادية اللي كانت بكلمة حلوة بتصفى، مابقتش موجودة. تحت ضغط أخوها،
وإصرار نادية اللي متهزش، لقى نفسه واقف قدام المأذون وهو بيمضي على ورقة طلاقها. في اللحظة اللي المأذون قال فيها أنتِ طالق، خالد حس إن روحه هي اللي بتتسحب منه. بص ل نادية مستني يشوف دمعة في عينها، بس لقى راحة غريبة مرسومة على وشها.
خرجت نادية من عند المأذون، ساندة على كتف أخوها، بس المرة دي مش عشان مريضة.. ساندة عليه وهي حرة. ركبت العربية وطلبت من أخوها يفتح الشباك، وكأنها كانت محبوسة في أوضة ريحتها عفن وطلعت أخيراً تشم هواء نظيف. خالد فضل واقف مكانه، معاه ورقة تثبت إنه عازب، بس الحقيقة إنه كان خسران كل حاجة.. خسر الست اللي كانت ممكن تعيش معاه على الحلوة والمرة، عشان خاطر وهم سابه في نص الطريق وجري ورا شغله.
الجزاء من جنس العمل
دارت الأيام ب خالد دورة مابترحمش، والزمن اللي كان فاكر إنه بيضحك له، كشر له عن أنيابه وبقى هو اللي بيشرب من نفس الكأس اللي سقى منه نادية. رجع خالد لحالته القديمة، بس المرة دي كانت أوحش بكتير. رجع للوحدة اللي بتاكل في الجدران، البيت اللي كان دايماً ريحته أكل ونضافة وحياة بفضل نادية، بقى ريحته تراب وإهمال. السكون في الشقة بقى له صوت بيصرخ في ودنه كل ليلة، ومحدش بقى بيعبره ولا يسأل فيه، حتى صحابه اللي كانوا بيملوا حياته، كل واحد انشغل في حاله، وهو بقى تقيل على الكل بشكواه وندمه اللي مبيخلصش.
وفي ليلة شتا قاسية، الجسم اللي كان بيستقوى بيه خذله. سخن خالد، وحرارته بدأت تعلى وتعلى لحد ما وصلت للأربعين، نفس الرقم اللي نادية كانت بتصارعه وهي بتموت قدام عينه. لقى نفسه مرمي على السرير، مش قادر يرفع راسه، وعينه زايغة في سقف الأوضة. مد إيده بلهفة وتعب ناحية الكومودينو عشان يطول كوباية مية يبل ريقه اللي نشف من النار اللي في جسمه، بس لقى الكوباية فاضية وعليها تراب. حاول يقوم يسند نفسه بس جسمه خانه ووقع تاني على السرير وهو بيتمتم باسم نادية من غير ما يحس. كان مستني
إيد حنينة تتحط على جبهته، كان مستني حد يغطيه ويرفع عنه الغطا، بس ملقاش غير الفراغ.
طلع موبايله بإيد بترعش، ودور على رقم هند. كان لسه فيه حتة غبية جواه فاكرة إنها ممكن تحن أو تسأل. رن مرة والتانية.. وفجأة، الخط اتفتح، بس قبل ما ينطق بكلمة واحدة، سمع صوتها الحاد وهي بتقول له من غير سلام بص يا خالد، لو متصل عشان تفتح سيرة الرجوع تاني، وفر وقتك ومجهودك. أنا مش فاضية للدراما دي، وعندي شغل لازم يخلص. ياريت تحترم خصوصيتي وتبطل تتصل بيا.
الخط قطع، وصوت التوت توت كان عامل زي الرصاص في ودنه. هند اللي ساب مراته عشان يرضيها، مسمعتش حتى صوت تعبه، ولا كلفت نفسها خاطر تسأل مالك؟. قفل الموبايل ورمى بجسمه لورا، والدموع نزلت من عينه بغزارة.. بس المرة دي مكنتش دموع ندم وبس، دي كانت دموع قهر. افتكر في اللحظة دي لما نادية كانت بتسهر جنبه لو عطس، ولما كانت بتعمل له الكمادات قبل ما يطلبها. عرف إن الله حق، وإن الجزاء من جنس العمل. هو اللي اختار الوهم اللي اسمه هند، والوهم سابه في أول محطة تعب، وهو اللي رخص الأصل اللي اسمه نادية، والأصل دلوقتي بقى بعيد عنه زي النجوم في السما.
نام خالد ليلته وهو مبلول بدموعه وسخونيته، محدش ناوله بق مية، ومحدش حس بيه. عرف إن أصعب موتة هي إنك تعيش وحيد في وسط ذكرياتك، وإن الوجع اللي كان بيسببه ل نادية، رجع له دلوقتي أضعاف مضاعفة، بس من غير ما يلقى أحمد ولا أم تسنده، ولا حتى نادية تلمح في عينه الندم فتحزن عليه.
مرّت الساعات على خالد وهو مش عارف الصبح طلع ولا ليلته لسه طويلة. السخونية كانت بتاكل في نفوخه، وكل ما يغمض عينه يشوف مشهد المستشفى بيتعاد قدامه بالتصوير البطيء.. يشوف نظرة نادية المكسورة، ويسمع صوت ضحكته مع هند وهي بتشرب العصير. فاق على صوت خبط ضعيف على الباب، قلبه دق، وقال في نفسه يمكن نادية؟ يمكن حنّت وجت؟. اتسحل لحد الباب وهو ساند على الحيطة، فتح بإيد بترعش.
. لقى ابنه واقف ومعاه الخدامة بتاعة هند. الولد بص لأبوه بخوف وقال له بابا، ماما قالت لي أجيب لك الحاجة دي عشان هي مشغولة في ميتنج وموبايلك كان مقفول. رمى الولد كيس فيه شوية أدوية وعلبة عصير معلب، ومشي بسرعة وكأنه خايف يعديه أو خايف يتأخر على أمه.
خالد بص لكيس الدوا وعلبة العصير، وضحك ضحكة هستيرية قلبت بكحة قطعت نفسه. عصير يا هند؟ افتكر لما كان بيشتري لها العصير الفريش بنفسه وبيدوقه قبلها عشان يتأكد إنه ساقع.. ودلوقتي بتبعت له صدقة مع ابنها عشان تخلص من زنه. دخل المطبخ، لقى الحوض مليان
مواعين، والثلاجة مفيهاش غير قزايز مية فاضية. افتكر لما كانت نادية تملى البيت خير، لما كانت ريحة الخبيز والطبيخ تفتح نفسه على الدنيا. قعد على الأرض في نص المطبخ، وحط راسه بين رجليه.. لقى نفسه بيشحت نسمة حنية من اللي كان غرقان فيها ورفسها برجله.
وفي الناحية التانية، كانت نادية قاعدة في بلكونة بيت أهلها، لابسة طقم شيك، وماسكة كتاب بتقرأ فيه وهدوء الدنيا كله في وشها. أخويا أحمد دخل عليها ومعاه صينية قهوة ها يا نودا، القهوة مظبوطة زي ما بتحبيها؟. بصت له بابتسامة صافية وقالت تسلم إيدك يا حبيبي، مظبوطة جداً. أحمد سكت لحظة وقال لها خالد تعبان يا نادية، عرفت إنه مرمي في البيت لوحده والسخونية مبهدلاه.
نادية ملامحها ماتهزتش، ولا حتى رمشت. خدت رشفة من قهوتها وبصت للسما وقالت ببرود يبرد النار الله يشفيه يا أحمد.. بس هو اللي اختار يعيش لوحده، وهو اللي اختار يرمي اللي كانت بتشيله فوق راسها. أنا دلوقتي مابفكرش غير في نفسي، وفي بكرة اللي استنيته كتير.
نادية قفلت صفحة خالد للأبد، لا شماتة ولا حزن.. مجرد لاشيء. أما خالد، ففضل عايش في سجنه اللي بناه لنفسه، عرف إن العمر مش مجرد سنين بتعدي، العمر هو الناس اللي بنختارهم يكملوا معانا.. وهو اختار يكمل لوحده في الضلمة، بعد ما طفى بإيده الشمعة الوحيدة اللي كانت منورة
له حياته.
تمت

تم نسخ الرابط