ست موظفه بقلم امانى سيد

لمحة نيوز

شايفني مهملة؟ ولا عرفت مين فينا اللي كان بيشيل التاني؟
سكت، ونزل راسه في الأرض، المرة دي مكنش فيه جروب عيلة يدافع عنه، ولا ماما تيجي تنصفه.. كان لوحده، قصاد الواقع اللي هو صنعه بإيده. وقتها، عرفت إني خلاص استرديت كرامتي، مش بس قدامه، ده قدام نفسي قبل أي حد.
أنا مش بس ست بيت.. أنا العمود اللي لو مال، البيت كله يقع، وهو النهاردة، عرف التمن غالي أوي
بدأ مجدي يدخل في روتين قاسي، يخرج الفجر يرجع نص الليل، وشفت عليه علامات الإرهاق اللي كنت بشوفها على نفسي سنين، وبدأت أشوفها في عينيه هو. البيت بيفضل نظيف، والأكل بيتحضر، والولاد بيذاكروا.. بس البيت بقا صامت. لا فيه ضحك، ولا فيه خناق على الملايات، ولا فيه تريقة على طريقة طبخي.
في يوم، كنت قاعدة بلم الغسيل من على الحبل، لقيته راجع وشكله منكسر تماماً. دخل قعد في الصالة، وسكت لفترة طويلة جداً. فجأة، لقيته بيطلع ظرف فيه جزء من مرتبه التاني اللي اشتغله، وحطه على التربيزة قدامي.
بصيت للظرف، وبعدين بصيت له. كان باصص للسقف وقال بصوت ضعيف أنا النهاردة لما كنت في الشغل، كنت بفتكر أيام ما كنتِ بتنزلي وتيجي مهدودة.. كان بيجيلي تليفونات من أصحابي يطلبوا يخرجوا، أو أهلي يطلبوا طلبات، وأنا كنت برد عليهم وأنا حاطط رجل على رجل،
وأقولهم مراتي في البيت هتعمل كل حاجة، أو مراتي معاها فلوس. ماكنتش متخيل إن الكلمة دي كانت تقيلة عليكي بالشكل ده.
سكت شوية، وبعدين كمل أنا النهاردة دخلت شفت صور الجروب اللي أمي كانت منزلاها.. شفت صورة الغسيل اللي هي كانت شايفاه إهمال، ولقيت نفسي النهاردة وأنا بلم غسيلي بنفسي، لقيت إن دي حياة مش إهمال، ده صراع يومي عشان نعيش بكرامة. أنا كنت بقطع فيكي عشان أرضي اللقب اللي أهلي زرعوه في دماغي، إني لازم أكون سي السيد.
حسيت ببرود قلبي بيبدأ يسيح، بس مكنتش عايزة أضعف. قعدت جنبه، وقلت بصوت هادي مجدي، الكرامة مش في إنك تكون سي السيد، الكرامة في إنك تقدر شريكة حياتك. أنا ماكنتش عايزة منك أكتر من كلمة طيبة، أو إنك توقف وقفة رجالة قدام التحريض. أنت كنت بتشوفني مهملة عشان كنت بتقارنني ب أمك، مع إن ظروف أمك في وقتها غير ظروفي دلوقتي، وظروف شغلي غير حياتها.
مسك إيدي لأول مرة من شهور، وقال أنا كلمت أمي النهاردة، وقلت لها إن حياتنا خط أحمر، وإن اللي يحاول يتدخل أو يقلل منك، أنا اللي هقفله. مش عشان أنا اتغيرت، بس عشان أنا دلوقتي عرفت.. عرفت إن البيت اللي بيقوم على تعب طرف واحد هو بيت هش، والبيت الحقيقي هو اللي بيقوم على التقدير.
بصيت في عينيه، وشفت فيها مجدي اللي عرفته
قبل ما يدخل في دوامة المقارنات دي. قلت له البيت يا مجدي مش بس حيطان وملايات نظيفة.. البيت أمان. ولو الأمان ده اتهز مرة، صعب يرجع زي ما كان، إلا لو الطرف التاني قرر فعلاً إنه يشيل الحمل، مش بس يوزع الأوامر.
البيت من يومها اتغير.. مش من ناحية النضافة، لأ.. اتغير من ناحية الاحترام. مجدي بدأ يشارك في كل تفصيلة، والأهم من ده، إنه بدأ يدافع عني قبل ما يدافع عن رضا ماما. الدرس كان قاسي، التمن كان غالي، بس في الآخر، عرفت إن اللي مش بيقدر تعبك وأنتِ شايلة معاه الحمل، مش هيعرف قيمتك غير لما يضطر هو يشيل الحمل لوحده.
بعد هدوء العاصفة، ملامح حياتنا بقت مختلفة تماماً. مجدي مابقاش سي السيد، وبقيت أنا مش الموظفة المهملة. بقينا اتنين شركاء، خاضوا حرب حقيقية داخل جدران شقتنا، وخرجوا منها بدرس ما بيتنسيش.
في يوم، كنت قاعدة بجهز ورق دروس الأولاد، لقيت مجدي داخل المطبخ، مش عشان ينتقد الأكل، لكن عشان يمسك المواعين. بصيت له باستغراب، ضحك وقال مش كنتِ بتقولي إن الغسيل يومي؟ أهو أنا بساعدك عشان نخلص بدري ونقعد مع الأولاد.
ابتسمت، بس الابتسامة المرة دي كانت حقيقية، طالعة من القلب مش من البرود اللي كان ساكنه الفترة اللي فاتت. سألته بفضول وماما؟ أخبارها إيه؟
بص لي بجدية وقال كلمتني
امبارح وقالت لي عايزة تيجي تزورنا. قلت لها أهلاً بيكي يا أمي، بس يا ريت الزيارة تكون للود مش للتفتيش، لأن شقتي وأموري الخاصة بقت خط أحمر. سكتت كتير، وفهمت إن نبرة الصوت اتغيرت، وإن ابنها اللي كان بيسمع كلامها عَمياني مابقاش موجود، ظهر راجل تاني بيحمي بيته.
حسيت براحة كبيرة، مش بس عشان هو دافع عني، لكن عشان الندبة اللي في قلبي بدأت تلم. الصمت اللي سكن بيتنا في فترة التأديب اتكسر، ورجعت الضحكات، ورجع البيت دافي تاني، بس المرادي دفا بجد، مش دفا المصطنعة عشان نرضي حد بره.
قررت إني أرجع أبحث عن شغل، بس المرادي بشروطي، وبشراكة حقيقية. قلت له أنا هنزل أشتغل تاني، بس مش عشان الأقساط تخلص، عشان أطور نفسي. والبيت.. البيت هنشيله سوا، أنت بتساعدني، وأنا بساعدك، زي ما أي شريكين بيعملوا.
هز رأسه بالموافقة، وقال كلمة واحدة كانت كفاية لتمسح كل ذرة غضب جوايا أنا آسف.. آسف إن كان لازم تبهدلي نفسك عشان أعرف قيمة اللي كنت بتعمليه.
قفلت
صفحة التأديب دي، بس سبت منها درس معلق على حيطان بيتنا إن الست لما بتفقد طولة بالها، مش بيكون ضعف، ده بيكون إعلان استقلال. ومجدي، اتعلم إن البيت اللي على أصوله، مش بيت ست بتخدم، ده بيت راجل بيقدر، وست بتتشال فوق الراس، وأي حد بره.. ملوش غير
إنه يحترم خصوصيتهم.

تم نسخ الرابط