عزومه حماتى

لمحة نيوز

والأكل كان شكله يشرف، والضيوف قعدوا وكلوا وشكروا في كرم حماتي اللي مكنش له حدود. حماتي كانت بتتنفس الصعداء مع كل لقمة بياكلوها، وبتقول لنفسها أهو عدينا الموقف، ولا حد حس بحاجة ولا ولاء اللزقة دي كانت موجودة.
بعد ما خلصوا الغدا، قدمت لهم الحلو والشاي والقهوة، وأهل بنتها أخدوا واجب الضيافة وزيادة، وقضوا وقتهم في الأحاديث الودية والضحك، وفعلاً الوقت عدى بسلام.
وقبل ما الشمس تغرب واليوم يخلص، قام الضيوف عشان يمشوا، وحماتي ودعتهم بابتسامة عريضة وثقة وكأنها عملت معجزة. قفلت الباب وراهم، ووقفت في نص الصالة، بتنهج من كتر التوتر اللي عاشته، وهي مش عارفة إننا في اللحظة دي كنا لسه بنركب العربية عشان نرجع البيت.
رجعنا البيت على الساعة تسعة بالليل، كان يوم طويل وهادي لدرجة إننا كنا نسينا نكد البيت تماماً. علاء دخل بالمفتاح، وأنا وراه شايلة الولاد اللي ناموا من التعب، أول ما الباب اتفتح، اتجمدت في مكاني.
حماتي كانت واقفة قدام باب شقة ابنها في الطرقة، مش في بيتها، كانت واقفة لينا كأنها حارس بوابة مستني فريسته. إيدها في وسطها، وعينيها بتشرار نار، وشكلها كان يوحي إنها ما اتحركتش من مكانها لحظة واحدة من ساعة ما الضيوف مشيوا.
بصيت لعلاء اللي كان لسه بيقفل الباب، لقيته اتنهد ببرود ولا كأنه مهتم، دخل وقفل الباب وراه ببطء شديد وهي واقفة بتراقب كل حركة مننا.
حماتي ما استنتش دقيقة، صوتها هدر في الطرقة وهي بتشاور بإيدها في وشي
يا بجحتكم! يا قليلي الأدب! جايين ببرود الأعصاب ده بعد ما فضحتوني وخليتوا شكلي زي الزفت قدام الناس؟
بصيت لعلاء مستنية رد فعله، وهو اللي كان واعدني إنه هيتصرف، لقيته ركن مفاتيحه على الترابيزة ببطء، ووقف قدام أمه بوش خالي من أي تعبير، وقال بهدوء مخيف
فضحتك؟ يا أمي، إحنا اللي فضحناكي ولا إنتي اللي حطيتي نفسك في الموقف ده؟
حماتي اتجننت أكتر، قربت منه وضربت الأرض بإيدها
أنت كمان بتفتح بوقك يا علاء؟ دي الهانم مراتك
هي اللي شحنتك، هي اللي خلتك تهرب عشان تكسفني.. أدي الأكل اللي دفعته من دمي ومن شقايا عشان أغطي غلطتكم، وكل ده بسببكم!
بصيت للأطباق في الحوض اللي باينة من باب المطبخ المفتوح، وبعدين بصيت لحماتي، ولقيت نفسي لأول مرة مش خايفة.. كنت حاسة إن القناع اللي كانت لابسته قدام الضيوف وقع، وفضلت بس الحقيقة المرة.
علاء ضحك ضحكة قصيرة بسخرية، وقرب من أمه خطوة، وقال بنبرة صوت تقيلة
يا أمي، اللي يدفع فلوس عشان يغطي غلطته، ملوش حق يلوم غير نفسه. إحنا معملناش غلط، إحنا ريحنا أعصابنا من عزومة إنتي اللي
فرضتيها.. ومتقوليش إن ولادك هما السبب في فضيحته اللي إنتي خايفة منها، لأن اللي بيخاف على كرامته، مبيحطش نفسه في مواقف أكبر من طاقته.
علاء ملامحه اتغيرت فجأة، الهدوء اللي كان عليه اختفى تماماً وحل محله غضب مكتوم انفجر في وش أمه. خطى خطوة ناحيتها، وصوته عليّ وهو بيشاور بإيده على الشقة اللي إحنا واقفين قدامها
انتي عارفة ظروفي كويس يا أمي! لسه خارجين من مصاريف العيد ولبس العيال، والبيت ميزانيته يا دوب ماشية بالعافية.. إنتي عايزة إيه بالظبط؟ عايزة مراتي تشحت عشان تعزم أهل أختي وتعملي فيها ست الكل قدامهم؟
حماتي اتفاجئت بحدته، اتراجعت لورا
خطوة ووشها بقى أحمر من الغضب والذهول
تشحت؟ إيه الكلام القليل الأدب ده يا علاء؟ أنا بقولك أصول، كان المفروض تتصرفوا، الدنيا سلف ودين!
علاء قاطعها بصوت أعلي ونبرة قوية خلتني أحس إن لأول مرة فيه درع بيحميني
الأصول مش إنك تحطينا في موقف زي ده وتطلبي من ولاء تروح تمد إيدها لأهلها! الأصول إنك تحترمي خصوصية بيتي وظروفي، مش تيجي تفرضي عزومة 35 فرد في يوم وليلة وتطلبي مني أتدين عشان شوية منظرة فارغة!
ساد صمت رهيب في الطرقة، وصوت أنفاس علاء العالية كان مسموع. حماتي كانت بتبص له بصدمة، مش مصدقة إن ابنها اللي كان دايماً بيسمع الكلام وقف قدامها بالشجاعة دي وواجهها بالحقيقة اللي هي كانت بتحاول تهرب منها.
بصيت لعلاء، كان عروق رقبته بارزة من كتر العصبية، وبعدين التفت لأمه وكمل وهو بيشاور على باب شقتنا
أنا آسف يا أمي، بس العزومات اللي بتتعمل على حساب بيتي وكرامتي وضغط مراتي، ماليش فيها. وياريت الموضوع ده يتقفل هنا، لإن لو اتكرر، أنا مش هسكت.
علاء ما أداهاش فرصة ترد، كمل كلامه بنفس النبرة الحادة اللي كانت بتزلزل الطرقة، وصوابعه بتشاور بغضب ناحية المطبخ
وبعدين يا أمي، إنتي كان معاكي فلوس، ودفعتيها وطلبتي دليفري وعملتي العزومة!
الفلوس دي والأكل ده، ليه ما طلعوش من الأول؟ ليه اعتبرتي إن مراتي خدامة، وإن ده واجبها المفروض تعمله غصب عنها؟ وليه اعتبرتيني بنك مفروض ياخد من لقمة عياله ويدفع عشان منظرة قدام الناس؟
اخد نَفَس عميق وكمل وعيونه مليانة عتاب
إنتي مش فقيرة يا أمي، ومعاش بابا ربنا يبارك فيه كبير، ومستورة والحمد لله.. ليه قررتي تضغطي علينا إحنا؟ ليه قررتي إن كرامتك تترفع على حساب تعبنا وميزانية بيتي اللي دوبها مكفية؟ أنا مش صغير عشان تتصرفي في بيتي من ورا ضهري، ولا مراتي هي الخزانة اللي تفتحيها وقت ما تحبي.
حماتي وقفت مذهولة، وشها جمد تماماً، وكأن كلامه كان صاعقة نزلت عليها.
حاولت تفتح بوقها عشان ترد أو تبرر، بس الكلمات خانتها، لأن علاء واجهها بالحقيقة اللي كانت بتداريها ورا سلطة الأم.
بصيت لعلاء وهو بيشدني من إيدي عشان ندخل الشقة، قبل ما يلتفت لها مرة أخيرة ويقول بنبرة حازمة
يا ريت يا أمي تفهمي إن بيتي ده ليه خصوصية، وأنا وولاء شركاء، مش تابعين لأوامر حد. اللي حصل النهاردة ده آخر مرة يحصل فيه تجاوز في حقنا.
دخلنا الشقة وقفل الباب ورا ظهره، سمعت صوت خبط خفيف على الباب بعدها، بس علاء ما اتحركش، وفضل واقف في الصالة، باصص لي ومستني أشوف رد فعلي بعد العاصفة اللي
هو عملها.
حماتي دخلت شقتها وهي بتجر أذيال الخيبة، قفلت الباب بهدوء مريب، مكنش فيه لا زعيق ولا خبط، كأن المواجهة اللي حصلت بره خمدت النار اللي كانت جواها وبدأت تسيب مكانها ل تأنيب الضمير اللي حاولت تهرب منه طول اليوم.
قعدت على الكرسي الهزاز بتاعها، وطلعت الموبايل وهي إيديها لسه بتترعش، اتصلت ببنتها ميادة. أول ما ردت، حماتي بدأت تحكي لها اللي حصل، وهي بتدور على كلمة مواساة أو حد يأكد لها إنها مظلومة.
لكن رد ميادة كان صدمة تانية تضاف لصدمة ابنها، ميادة قالت لها بصوت هادي بس كان فيه لوم واضح
يا ماما، بصراحة أنا مستغربة.. إزاي تعملي عزومة مفاجأة زي دي؟ على الأقل كان ممكن تسيبيني أجيلك من كام يوم ونجهزها سوا، مش ترمي الحمل كله على ولاء.
سكتت ميادة ثواني وبعدين كملت بوضوح
يا ماما ولاء مش ملزمة بأهل جوزى ، ده بيتهم وهما حرين فيه، ولاء زي أختي وأنا مش هقبل إنك تضغطي عليها وتعملي مشاكل بينها وبين علاء عشان عزومة كان ممكن تترتب بذكاء أكتر من كده.
الكلام وقع على
ودن حماتي كأنه مية متلجة. لأول مرة، مفيش حد واقف في صفها، ولا ابنها ولا بنتها. سكتت
حماتي ومردتش، اكتفت بإنها تقفل المكالمة، وقعدت لوحدها في الصالة الضلمة، باصة للفراغ، وهي بتفتكر نظرة علاء وهو بيواجهها، وكلام ميادة اللي كشف لها إنها المرة دي زودتها بجد.
تاني يوم الصبح، صحيت وأنا لسه حاسة برواسب مبارح، خايفة أفتح باب الشقة وألاقي حماتي واقفة بنفس نظرات الغضب. لكن لما خرجت عشان أوصل العيال للمدرسة، لقيت حماتي طالعة من شقتها عادي جداً، لابسة ومستعدة وكأن مفيش أي حاجة حصلت.
ابتسمت لي بفتور، وقالت بصوت هادي
صباح الخير يا ولاء، الولاد ناموا كويس؟
رديت عليها باستغراب وأنا بحاول أداري ارتباكي
صباح النور يا طنط.. الحمد لله، ناموا كويسين.
بعدها بساعة، لقيت ميادة بتتصل بيا، وفتحت الكلام بتهريج وضحك وكأن امبارح ده مجرد حلم وحش وعدى. اتكلمنا في تفاصيل البيت والعيال، ومع
الوقت، بدأت نبرة الكلام تتغير وتدخل في العتاب الرقيق.
ميادة قالتلي بصوت كله ود
بصي يا ولاء، أنا عارفة إن امبارح كان يوم تقيل عليكم، وعارفة إن ماما اندفعت شوية في موضوع العزومة.. بس أنتي عارفة هي غصب عنها، بتحب اللمة وبتحب تتباهى ببيتها.
رديت عليها بصراحة
يا ميادة،
أنا مكنش عندي مشكلة في اللمة، بس الطريقة هي اللي كانت صعبة.
ميادة كملت
معاكي حق، وماما بدأت تفهم ده. هي النهاردة كانت بتكلمني وبتقول إنها مكانش قصدها تضغط عليكم، وأنتم كمان عصبتوا عليها بزيادة شوية.
في الوقت ده، علاء كان داخل الصالة، سمع جزء من المكالمة، أخد الموبايل مني وقال لميادة
إحنا مش عايزين مشاكل يا ميادة، بس اللي حصل امبارح كان لازم يحصل عشان كل واحد يعرف حدوده. لو ماما عايزة تصفي القلوب، الباب مفتوح، وإحنا بنحبها، بس بيتي له حرمته.
بعد المكالمة، علاء قعد معايا، وأخدنا نفس عميق. كان واضح إن حماتي قررت تفتح صفحة جديدة، مش عن حب، لكن لأنها أدركت إن الصدام المباشر مش في صالحها. العتاب كان ضروري، وقررنا إننا هنحاول نعدي المرحلة دي، بس بشروطنا الخاصة وبحدود واضحة المرة دي.
قعدنا كلنا مع بعض في صالة بيت حماتي، الجو كان لسه مشحون بشوية توتر، بس رغبة الكل في إن المية ترجع لمجاريها كانت واضحة. حماتي كانت قاعدة بهدوء، وميادة كانت بتلعب مع الولاد عشان تكسر الجليد.
علاء بدأ الكلام، بص لأمه بنظرة هادية خالية من أي عصبية وقال
يا أمي، إحنا
مش عايزين نقطع بعض، ولا عايزين نعيش في نكد. إنتي عارفة غلاوتك عندي، بس بيتي له حرمته، وأنا وعلاقتي بمراتي لازم تبقى خط أحمر عشان نقدر نفضل كويسين.
حماتي هزت رأسها وهي بتنزل عينيها في الأرض، وبصوت خافت قالت
أنا عارفة إني اندفعت، ويمكن اتصرفت من غير تفكير في ضغوطكم. كنت عايزة أبيض وشي قدام الناس، مكنش قصدي أهين ولاء أو أضغط عليكم.
أنا مسكت إيدها وقلت لها بصوت رقيق
يا طنط، احنا مش زعلانين منك، كل اللي بنتمناه إننا نفضل عيلة واحدة متفاهمة. لو أي حاجة محتاجاها، أو عزومة حابة تعمليها، قولي لنا قبليها بوقفتها عشان نكون مستعدين ونشاركك ونشرفك.
حماتي ابتسمت ابتسامة صادقة لأول مرة من أيام، وقالت
خلاص، اللي حصل حصل، وأنا اتعلمت الدرس. اعتبروا اللي فات مات.
الدنيا رجعت كأنها ما حصلش فيها حاجة، حماتي قامت دخلت المطبخ تجهز لنا كوبايتين شاي، وطلعت معاهم بسكويت كانت هي اللي عاملاه، وقعدنا كلنا بنضحك ونتكلم في أمور عادية زي ما كنا قبل الأزمة. علاء كان باصص لي ومبتسم، حاسس إنه أخد قراره الصح في الوقت الصح، وحسيت أنا
كمان إن التمرد كان بداية لطريق جديد قايم على الاحترام المتبادل.
تمت 

تم نسخ الرابط