عزومه حماتى

لمحة نيوز

ما الموبايل سكت، علاء ضغط بإصبعه على زرار الإغلاق وقفل موبايلي تماماً.. مش بس كده، ده طلع موبايله هو كمان من جيبه، وبكل ثبات انفعالي، عمل نفس الحركة وقفل موبايله هو كمان.
بصيتله بذهول، عيوني وسعت من الصدمة
أنت.. أنت بتعمل إيه؟ دي لو عرفت إننا قافلين الموبايلات هتولع فينا لما نرجع! أنت مش خايف؟
بصلي بنظرة كلها ثقة، وكأنه رامي كل هموم الدنيا ورا ضهره، شدني من إيدي وقعدني على الكرسي اللي فرشه على الرمل، وابتسامة هادية اترسمت
على وشه
يا ولاء، إحنا هنا عشان ننسى، مش عشان نستنى العقاب. طول ما الموبايلات مفتوحة، هي هتفضل محوطانا في يومنا. سيبك منها دلوقتي، واستمتعي بالبحر، لأننا النهاردة.. إحنا مش موجودين لأي حد.
قعد قدامي، فتح أكياس الفطار وبدأ يحضر الأكل للعيال، كأنه مفيش 35 بني آدم مستنيين في بيتنا، وكأنه مش هو اللي كان لسه بيقولي سيبي الموضوع ده عليا.
سألت بصوت واطي ومتردد
طيب والضيوف؟ والناس اللي في البيت؟ هنعمل إيه لما نرجع؟
رفع عينه في عيني وهو بيناولني ساندوتش
لما نرجع، هنبقى نفكر. لكن دلوقتي، مفيش غيرنا إحنا والولاد والبحر.. كلي يا ولاء واهدي، صدقيني، الليلة دي هتكون أول ليلة في حياتنا بنقرر فيها إننا نعيش لنفسنا، مش للناس.
فضلت باصة لعلاء وأنا مش مستوعبة، الضمير في قلبي بيأنبني وفي نفس الوقت حاسة بنشوة غريبة لأول مرة. قعدت على الرملة وجنبي العيال بيلعبوا، ومسكت الساندوتش بس مش عارفة أبلعه من كتر التفكير.
قطعت الصمت ده وقلتله
يا
علاء، أمك ست كبيرة، ومش متعودة حد يطنشها، والناس دي أكيد وصلوا دلوقتي عند البيت ومحدش بيفتح.. ده لو عرفوا إننا سافرنا هتبقى فضيحة!
علاء سكت للحظة، شرب بق مية وبص للبحر بتأمل،
وبعدين التفت ليا وبنبرة واثقة وهادية جداً قال
يا ولاء، يا حبيبتي، افهميني.. أمي مش صغيرة، دي ست قوية وعارفة الدنيا بتمشي إزاي كويس جداً. هي اللي حطت نفسها في الموقف ده وهي اللي تخرج منه.
بصيتله باستغراب تقصد إيه؟ إنها عارفة تتصرف؟
هز رأسه بتأكيد وهو بيكمل
بالظبط. أمي لما لقتني مش موافق على العزومة دي، عملت اللي في دماغها، يبقى هي اللي تتحمل النتيجة. هي عارفة كويس إني بشتغل وتعبان، وعارفة إن ظروفنا متسمحش، ومع ذلك أصرت.. يبقى لازم تتعلم إن فيه حدود للتدخل في بيتي. صدقيني، هي مش هتقف مكتوفة الأيدي، هتلاقي ألف حل وحل عشان ترفع راسها قدام نسايبها، يمكن تطلب أكل من بره، يمكن تتصرف وتجيب أي حاجة.. المهم إنها في الآخر هتفهم إن وليد مش شطرنج بتلعبه
زي ما هي عايزة.
حسيت بكلماته بتطمني، كأنها بتشيل حمل تقيل من على كتافي. كملت كلامها وهي بتهز رجلها بتوتر
يعني إحنا مش هنرجع نلاقي مصيبة؟
ضحك ضحكة صافية، مد إيده ومسك شعري ورا ودني وقال
أكبر مصيبة هي إننا نعيش حياتنا بنرضي الناس على حساب سعادتنا. ارتاحي بقى، وسيبي ماما تتعامل.. هي ست مدبرة وعارفة كويس إنها غلطت في حقي وحقك، والدرس ده هو اللي هيخليها تحترم خصوصيتنا بعد كده.
غمضت عيني وأنا باخد نفس عميق، وفعلاً لأول مرة من سنين، حسيت إن أنا وعلاء بقالنا كيان لوحدنا، بعيد عن تحكمات ماما. بس الفضول فضل ياكلني.. يا ترى هي فعلاً عرفت تتصرف؟ ولا هي دلوقتي بتولع في البيت من الغيظ؟
حماتي كانت في البيت في موقف لا تحسد عليه، ماشية في الشقة زي الأسد المحبوس، وشها أحمر من كتر الغيظ وكل دقيقة تبص في الساعة، والضيوف من بلد بنتها قربوا يوصلوا.
طلعت الموبايل للمرة المليون، رنت على
علاء.. مقفول. رنت عليّ أنا.. مقفول.
رمت الموبايل على التربيزة وهي
بتبرطم بغل وشياطين الدنيا كلها في عينيها
يا بجحتك يا ولاء! أكيد هي.. أكيد العقربة دي هي اللي سخنت الواد علاء وخلته يهرب بمراته وعياله عشان يكسفوني ويكسروا كلمتي قدام الناس! دي أكيد خططت لكل ده، خلت ابني يعق أمه ويقفل تليفونه عشان ما أعرفش أجيبهم.. ماشي يا ولاء، أنا بقى اللي هوريكي، لو ما خليت علاء يطلقك عشان تربيتك القليلة دي مبقاش أنا!
وفجأة.. جرس الباب رن.
نطت من مكانها كأن فيه عفريت قرصها، وضربات قلبها بقت مسموعة. الضيوف وصلوا، والبيت فاضي، وأنا وعلاء مش موجودين. وقفت قدام المراية بسرعة، حاولت تمسح آثار الغضب من على وشها وترسم ابتسامة صفرا باهتة، وهي بتكلم نفسها
لازم أتصرف.. لازم أطلعهم هما اللي غلطانين، هقول إنهم تعبوا فجأة واضطروا يخرجوا لطارئ، المهم أبيض وشي قدام أهل ميادة.. يا رب استرها معايا في المصيبة دي!
فتحت الباب وهي بتستقبلهم بترحيب مبالغ فيه وضحكة مجلجلة، بس كان باين على عينيها إنها بتغلي، وكل ما حد من الضيوف يسأل عن علاء أو
عني، كانت بتمثل ببراعة وتغير الموضوع بسرعة عشان تغطي على غيابنا.
بعد ما قفلت الباب على الضيوف اللي بدأوا يقعدوا في الصالة ويتبادلوا أطراف الحديث، دخلت الأوضة التانية بسرعة وهي بتنهج من كتر الغيظ والخوف. طلعت الموبايل واتصلت بأكبر محل مشويات في المنطقة، صوتها كان بيترعش بس حاولت تبان طبيعية وهي بتطلب أوردر ضخم
ألو.. أيوه يا ابني، عايزة دليفري حالا.. 5 كيلو كباب وكفتة، و فرخات مشوية، ومقبلات وسلطات تكفي 35 فرد.. اه، عايزة الأكل يوصل في خلال نص ساعة بالظبط، العنوان كذا.. كذا..
وفتحت المحفظة وطلعت مبلغ
كبير جداً، أكتر بكتير من اللي كانت مخططاه، ودفعت ديبوزيت محترم بالتحويل عشان يضمنوا السرعة، وهي بتوعد نفسها إنها هترجع الفلوس دي من علاء تالت ومتلت بعد ما يرجع.
قفلت الموبايل، ووقفت تاخد نفس عميق قدام المراية، بتبص لنفسها في الانعكاس وبتحاول تداري الرعشة اللي في إيديها. خرجت للضيوف تاني وهي لابسة قناع الست الكريمة المضيافة
يا جماعة، علاء وولاء والله
العظيم كانوا مجهزين كل حاجة، بس ولاء جالها مغص كلوي مفاجئ والواد علاء اضطر يوديها المستشفى هي والعيال، وأنا قلتلهم روحوا أنتوا وأنا أتصرف مع الضيوف.. البيت بيتكم!
الضيوف بدأوا يباركو لها على كرمها وذوقها، بس هي كانت بتصطنع الابتسامة وقلبها بيضرب زي الطبول كل ما تسمع صوت عربية في الشارع، خايفة نرجع فجأة ونكشف الكدبة.
بعد نص ساعة بالظبط، جرس الباب رن. حماتي قلبها وقع في رجلها، قامت بسرعة وكأنها بتجري من الموت، وفتحت الباب لعمال الدليفري اللي كانوا شايلين أكياس وصواني الأكل اللي تفتح النفس. دفعت الحساب وهي بتكتم غيظها من المبلغ اللي دفعته، ودخلت الأكل بسرعة للمطبخ.
بنتها ميادة دخلت وراها المطبخ وهي بتهمس بقلق يا ماما.. ده الأكل ريحته باينة أوي إنه جاهز، لو الناس عرفوا هتبقى فضيحة!
حماتي بصتلها بنظرة حادة انتي عايزة الناس تفتكر إني كدابة؟ إنجزي معايا، حطي الأكل في أطباقنا، وافرشي السفرة بسرعة، محدش هياخد باله من حاجة.
بدأت حماتي وميادة ينقلوا الكباب
والكفتة في أطباق البيت الصيني، وبدأت أم جوز ميادة اللي كانت ست ذوق وعايزة تساعد تدخل المطبخ وتمد إيدها معاهم. كانت بتساعدهم وهي بتنقي أحسن الأطباق وبترص الأكل بلمسات ستات بيوت شطار، وده خفف الحمل شوية عن حماتي اللي
كانت بتتعامل بتوتر مبالغ فيه.
السفرة اتفرشت،
تم نسخ الرابط