عيب جوزي

لمحة نيوز

 الحقينا! دينا جات المستشفى في حالة حرجة جداً، حصل لها نزيف حاد ومفاجئ، والبنت بتموت في بطنها، ومفيش أي دكتور نسا متاح حالاً غيرك!
توقفتُ في مكاني، وتجمدت الدماء في عروقي.. دينا التي خانتني مع زوجي وسرقت بيتي، تقف الآن بين الحياة والموت، وحياة جنينها معلقة بين يديّ أنا بالذات!
فهل ستدخل كامليا غرفة العمليات وتنقذ الست
التي دمرت حياتها وجنينها لتثبت أمانتها الطبية؟ أم أن مرارة الانتقام ستجعلها تترك القدر يقتص من دينا داخل نفس المستشفى التي بدأت فيها الحكاية؟ وما هي المفاجأة الكبرى التي تنتظر داوود وإجلال في الجلسة الختامية والنطق بالحكم؟
لم أتردد إلا لثوانٍ معدودة، ثوانٍ جرى فيها شريط ثماني سنوات من الظلم والقهر أمام عيني، لكن صوت القسم الطبي الذي أقسمته يوم تخرجي كان أعلى وأقوى من نيران الانتقام. ركبتُ سيارتي وانطلقتُ بأقصى سرعة نحو مستشفى قصر العيني، وأنا أقول لنفسي داوود انتقم لنفسه بنفسه بنذالته، ودينا دمرت حياتها بطمعها.. أما أنا، فالدكتورة كامليا، ومشرطي يقطع ليداوي، لا ليقتل.
دخلتُ المستشفى كالإعصار، ارتدَيتُ

ملابس التعقيم بلمح البصر، ودفعتُ باب غرفة العمليات بقدمي. كانت دينا غائبة عن الوعي، وجهها بلون الورق، وجهاز نبض الجنين يصدر أصواتاً متسارعة ومتقطعة تنذر بالخطر. نظرتُ إلى طاقم التمريض وقلتُ بحسم بنج كلي حالاً.. علقوا كيسين دم.. تجهيز حضّانة للأطفال المبتسرين.. النزيف حاد وانفصال المشيمة كامل، قدامنا دقائق لإنقاذ الجنين!
بدأتُ العمل.. يداي اللتان ركبتا السونار بالأمس بغصة، كانت تشق البطن اليوم بأعلى درجات الاحترافية الطبية. لم أرَ في دينا المرأة التي خطفت زوجي، بل رأيتُ جسداً مستضعفاً يطلب الحياة. بعد دقائق من التوتر وحبس الأنفاس، تعالت صرخة صغيرة، رفيعة ومتقطعة، هزت جدران الغرفة.. صرخة البنت!
سلّمتُ الطفلة لطبيب الأطفال فوراً، والتفتُّ لإنقاذ الأم. استغرق الأمر ساعتين كاملتين من الكفاح لوقف النزيف وإعادة العلامات الحيوية للاستقرار. خرجتُ من غرفة العمليات، عرق المجهود يغمر وجهي، خلعتُ القناع الطبي وأخذتُ نفساً عميقاً، علمتُ وقتها أنني لم أنقذ دينا وابنتها فحسب، بل أنقذتُ نفسي من أن أتحول إلى مجرمة بدم بارد.
مر شهر كامل.
.
وجاء يوم الجلسة الختامية والنطق بالحكم. غصّت قاعة المحكمة بالصحفيين والمحامين، فالقضية تحولت إلى قضية رأي عام عن سقوط قناع المحامي الشريف.
وقفتُ في الصفوف الأولى بكامل ثقتي وثباتي، بينما جلس داوود في قفص الاتهام بكسرة لم يسبق لها مثيل، وبجانبه أمه إجلال التي بدا عليها الهرم وضياع الهيبة، ترتعش يداها وهي تمسك بحديد القفص. وعلى الجانب الآخر، كانت دينا تجلس على مقعد متحرك في مؤخرة القاعة، تحمل ابنتها بضعف، وقد جاءت لتدلي بشهادتها الأخيرة كشاهدة ملك.
تنحنح القاضي، وساد الصمت التام في القاعة، ثم فتح الملف ونطق بالحكم المزلزل
حكمت المحكمة حضورياً، أولاً بمعاقبة المتهم داوود بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات، وتغريمه مبلغ مليوني جنيه ردّاً لأموال الشاكية، وعزله من نقابة المحامين وشطب اسمه نهائياً. ثانياً بمعاقبة المتهمة إجلال بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات بتهمة الاشتراك في التزوير والكسب غير المشروع والاستيلاء على أموال الشاكية.
ارتجت القاعة بصراخ وعويل إجلال التي انهارت تماماً، بينما سقط داوود على ركبتيه داخل القفص وهو ينظر إليّ
بعينين تائهتين تطلب العفو والرحمة بعد أن ضاع منه كل شيء الشرف، المهنة، المال، والحرية
التفتُّ وخرجتُ من القاعة، ولم أنظر خلفي أبداً. وفي الممر الخارجي، لحقت بي دينا بمقعدها المتحرك، وقالت وعيناها تفيضان بالدموع دكتورة كامليا.. أنا مش عارفة أشكرك إزاي.. أنتِ أنقذتي حياتي وحياة بنتي رغم كل اللي عملته فيكي.. أنتِ مش بشر، أنتِ ملاك.
توقفتُ ونظرتُ إليها، ثم نظرتُ إلى الطفلة الصغيرة في حضنها وقِلت بلهجة هادئة ولكنها حاسمة أنا مش ملاك يا دينا.. أنا ست عرفت تاخد حقها بالقانون ومن غير ما تلوث إيدها. بنتك دي ملهاش ذنب، ربيها بعيد عن الحرام والطمع اللي ودى أبوها وأم داوود ورا الشمس.. ربيها تطلع نضيفة.
تركتُها ومشيتُ خطوات نحو بوابة المحكمة الكبرى. الشمس كانت تشرق بقوة وكأنها تغسل سنوات العتمة والقهر. تنفستُ بعمق، ورفعتُ رأسي للسماء بابتسامة انتصار حقيقية.
أخرجتُ هاتفي، ومسحتُ كل الأرقام والذكريات القديمة، وأغلقتُ صفحة داوود وعائلته للأبد.. لتبدأ من جديد حياة الدكتورة كامليا، المرأة التي لم تكسرها العاصفة، بل جعلت منها إنسانة أقوى،
وأجمل، وأبقى!

تم نسخ الرابط