حنين الماضي
المحتويات
هتقول شهم، أصيل، صان عرض أخوه ولمّ ولاده.. مفيش حد هيلومك يا سليم، بالعكس، إنت هتكبر في نظر الكل، حتى ليلى نفسها مش هتقدر تعترض على واجب ديني وأخلاقي زي ده.
قربت أكتر وهمست فكر يا سليم.. إنت كبرت وبقيت صاحب معرض وعندك خير كتير، والبيت اللي إنت اشتريته لأخوك ولأهلك يساعنا كلنا.. ليلى في شقتها، وأنا في شقتي، وقلبك في النص يختار اللي يريحك
في اللحظة دي، صورتي قدام نفسي اتهزت. هل أنا فعلاً سليم الشهم؟ ولا أنا سليم الخاين اللي مستني أي ثغرة عشان يرجع للست اللي باعتني زمان عشان عربية ومرتب؟
فتحت باب المكتب وأنا مش قادر أبص في عينيها، وقولت لها بصوت مخنوق سيبيلي وقت أفكر يا رحمة.. الموضوع مش سهل.
ضحكت ضحكة خفيفة، ضحكة المنتصر، وقالت وهي ماشية وبتاخد شريف في إيدها الوقت مش في صالحنا يا سليم.. والفرصة مابتجيش مرتين.. أنا مستنية تليفونك.
خرجت رحمة وسابت وراها المكتب ريحته ماضي.. ورجعت أنا لبيتي، لليلى اللي كانت مستنياني بالعشا وضحكة ولادي التوأم اللي مالية المكان
كنت قاعد وسطهم بس عقلي كان هناك.. في شقة أخويا، مع رحمة اللي عرضت عليا صفقة العمر. ليلى لاحظت سكوتي، حطت إيدها على كتفي وقالت بحنية مالك يا سليم؟ الشغل واخد
بصيت لليلى.. الست اللي وقفت جنبي لما كنت لسه ببدأ، اللي شافت معايا تعب السفر وشقى المعرض المستعمل لحد ما بقى زيرو. حسيت بوجع في ضميري، بس في نفس الوقت، كان صوت رحمة بيرن في ودني هي خدت مكان مش مكانها.
تاني يوم الصبح، جالي تليفون من أمي.. صوتها كان فيه رجاء يا سليم يا ابني، أنا كنت عايزة أكلمك في موضوع يخص رحمة وولاد أخوك.. إنت عارف إنها ست صغيرة وجميلة، والناس بدأت تتكلم، وأنا خايفة عليها وعلى ولاد الغالي.. ما فكرتش يا ابني إنك تلم الشمل وتجوزها؟.
وهنا كان الفخ اكتمل.. رحمة مكنتش بتلعب لوحدها، دي قدرت تخلي البيت كله يغني على لحنها. مكالمة أمي مكنتش مجرد اقتراح، دي كانت الضوء الأخضر اللي كنت مستنيه ومستغربه في نفس الوقت. هل رحمة وصلت لأمي وقدرت تقنعها إن ده الحل الوحيد؟
رديت على أمي وصوتي بيترعش يا أمي، اللي بتقوليه ده صعب.. ليلى مش هتتقبل حاجة زي دي، وإنتي عارفة غلاوتها عندي.
أمي ردت بحزم الأم اللي شايفة مصلحة اليتامى فوق كل شيء ليلى عاقلة يا سليم، وهتقدر إنك بتصون لحم أخوك.. وبعدين يا ابني ده شرع الله، وإنت أولى بيهم من الغريب.. فكر يا سليم، الولاد محتاجين
قفلت السكة مع أمي والدنيا بتلف بيا. نزلت المعرض، وفي طريقي شفت رحمة واقفة في البلكونة بتبص على الطريق.. كأنها كانت عارفة إني هعدي، كأنها كانت مستنية تشوف أثر مفعول السحر اللي رمته عليا وعلى عيلتي.
دخلت البيت في ليلة شاتية، الهواء فيها كان بيصفر زي الندم. ليلى كانت قاعدة بتذاكر للولاد، وبصت لي بابتسامتها الهادية اللي بقيت بخاف منها.. بخاف لأنها بريئة زيادة عن اللزوم.
قعدت قدامها وقولت ليلى.. أنا عايز أكلمك في موضوع مهم.
شالت الكتاب من إيدها، ونظرتها اتغيرت فجأة.. كأن قلبها حس قبل ما أنطق. قالت بهدوء يسبق العاصفة لو الموضوع يخص رحمة يا سليم.. فأنا سمعت طرف خيط من مامتك النهاردة في التليفون.
وقفت مكاني مذهول، وقولت وأمي قالتلك إيه؟.
ليلى قامت وقفت قدامي، وعينيها كانت مليانة وجع وكبرياء في نفس الوقت قالت لي إنك الشهم اللي هيشيل تركة أخوه.. وقالت لي إنك هتحمي ولاد أخوك من اليتم والشتات. بس اللي مامتك متعرفهوش يا سليم، إني عارفة رحمة كويس.. وعارفة إن الحكاية مش حكاية يتامى، الحكاية حكاية قلبك اللي لسه مربوط هناك.
المواجهة بدأت بدري عن ما كنت متخيل.. ليلى مكنتش الست الضعيفة اللي
بصت لي وقالت بصوت قوي وواضح سليم.. أنا مش همنعك من واجبك، بس أنا مش هعيش نص ست.. لو اخترت تفتح باب الماضي، يبقى تقفل بابي أنا للأبد. اتجوز رحمة لو ده اللي هيريح ضميرك وقلبك، بس ساعتها ملكش مكان في بيتي ولا في حياتي.
خرجت ليلى من الصالة وسابتني لوحدي.. وفي اللحظة دي، تليفوني رن.. كانت رسالة من رحمة مكتوب فيها شريف بيسأل عليك.. وبيقولك وحشتني يا بابا.
الكلمة هزتني.. بابا. رحمة كانت عارفة إنها بتلعب بآخر ورقة، ورقة مفيش راجل عنده أصل يقدر يقاومها. شريف اللي هو حتة من أخويا، دلوقتي بيناديني بابا.. بس الثمن غالي، الثمن هو تهديم البيت اللي ليلى بنته طوبة طوبة بالصبر والإخلاص.
مسكت التليفون وإيدي بتترعش، بصيت لرسالة رحمة وبعدين بصيت لباب الأوضة اللي ليلى قفلته وراها. كنت حاسس إني مقسوم نصين، نص عايز يروح يلم لحمه ويشفي غليله من حب قديم كواه سنين، ونص بيقولي إن ليلى هي الحق، وإن رحمة هي الوجع اللي متغطي بوش الندم.
نزلت من البيت بليل، مشيت في الشوارع لحد ما لقيت نفسي قدام بيت أهلي.. قدام بلكونة رحمة. لمحت خيالها ورا الستارة، كانت مستنية.
متابعة القراءة