توسلت إليَّ ابنتي ألا أسافر في رحلة العمل تلك

لمحة نيوز


في الأربعين تقريبًا.
يحمل ملفًا تحت ذراعه وبطاقة تعريف معلقة في عنقه.
بدا كأحد العاملين في المكان.
خلفهما ظهرت حماتي.
كانت تبتسم.
ثم انحنت نحو مريم وقالت شيئًا.
بعدها أشارت إلى الرجل.
وفي تلك اللحظة رفعت الكاميرا.
وضغطت زر التصوير.
مرة.
مرتين.
ثلاثًا.
عشرات الصور المتتالية.
صورة واضحة.
حماتي.
ابنتي.
وأحد العاملين في المبنى.
كلهم في إطار واحد.
نظرت إلى الشاشة.
وتأكدت أن الصورة التُقطت بوضوح كامل.
شعرت بأن شيئًا ما قد تغير.
حتى لو اختفى الجميع الآن.
حتى لو أغلقوا المبنى وغادروا.
أصبح لدي ما يكفي لأواجه أمينة بالحقيقة.
وأصبح لدي دليل واضح على أن مريم كانت هنا بالفعل.
أخرجت هاتفي واتصلت بزينب.
ردت بسرعة.
قلت دون مقدمات
حصلت على الصور.
سألت بلهفة
هل مريم بخير؟
نعم.
سمعت زفيرًا طويلًا خرج منها.
ثم سألت
وماذا اكتشفت؟
نظرت إلى الباب الأزرق.
ثم قلت
لا أعرف بعد.
ساد الصمت بيننا.
ثم قالت
إذن ماذا ستفعل؟
كان الباب لا يزال مفتوحًا جزئيًا.
وأحد العاملين خرج للتدخين قرب المدخل.
في تلك اللحظة خطرت لي فكرة.
فكرة قد تمنحني الإجابة التي أبحث عنها.
قلت
سأدخل.
ساد صمت طويل.
ثم قالت
أحمد... لا تتصرف بتهور.
أجبت
لن أفعل.
إذن كن حذرًا.
سأكون حذرًا.
أغلقت الهاتف.
ثم التقطت حقيبة الكاميرا.
وخرجت من السيارة.
لأدخل ذلك المبنى بنفسي.
وأعرف أخيرًا ما الذي يحدث خلف الباب الأزرق.
عندما وصلت إلى الباب الأزرق وجدته مفتوحًا جزئيًا.
لكن هذه المرة لاحظت شيئًا لم أره من الخارج.
مكتب استقبال صغير.
وموظف يجلس خلفه.
اقتربت بهدوء.
رفع الرجل رأسه نحوي.
وقال
نعم أستاذ؟
ابتسمت ابتسامة مترددة.
وقلت
سمعت عن المكان من أحد الأصدقاء. عندي طفل وأردت أن أعرف طبيعة العمل هنا.
أشار إلى عدة مقاعد في قاعة الانتظار.
تفضل. سيشرح لك مسؤول التنسيق كل شيء.
جلست.
وأخذت أراقب المكان من حولي.
لأول مرة رأيت ما يوجد خلف الباب الأزرق بوضوح.
لم يكن مخزنًا مهجورًا.
ولم يكن مكانًا سريًا كما تخيلت.
بل استوديو تصوير كبير.
كاميرات.
إضاءات احترافية.
خلفيات ملونة.
غرف تبديل ملابس.
وأطفال.
الكثير من الأطفال.
بعضهم مع آبائهم.


وبعضهم مع أمهاتهم.
وبعضهم ينتظر دوره في التصوير.
لثوانٍ شعرت بشيء من الارتياح.
ربما أخطأت.
ربما كانت مريم تبالغ.
وربما كانت أمينة تخفي الأمر فقط لأنها تعرف أننا سنرفض مشاركة ابنتنا في الإعلانات.
لكن شيئًا ما ظل يزعجني.
في إحدى الزوايا كانت طفلة صغيرة تقف أمام الكاميرا.
بدت مرهقة.
ورغم ذلك طلب منها المصور إعادة المشهد مرة بعد أخرى.
وفي الجهة المقابلة كان طفل يبدل ملابسه للمرة الثالثة خلال أقل من ساعة.
مرة بزي مدرسي.
ومرة بدشداشة.
ومرة بملابس رياضية.
كل شيء بدا قانونيًا.
لكن الأطفال هنا لم يكونوا يشاركون في نشاط ترفيهي.
كانوا جزءًا من صناعة كاملة.
إعلانات.
محتوى دعائي.
فيديوهات ممولة.
وحملات تسويقية.
بينما كنت أراقب المكان لمحْت مريم.
كانت تجلس في آخر القاعة.
ترتدي الفستان الأبيض.
وبجوارها أمينة.
شعرت بانقباض في صدري.
خفضت رأسي فورًا حتى لا تراني.
وبدأت أراقب من بعيد.
بعد دقائق اقتربت منهما موظفة تحمل عدة أوراق.
وضعتها أمام أمينة.
ثم أشارت إلى مكان محدد.
تناولت أمينة القلم.
ووقعت.
مرة.
ثم مرة أخرى.
ثم أعادت الأوراق إليها.
لم أستطع رؤية التفاصيل.
لكنني التقطت عدة صور بهاتفي من بعيد.
بعد ذلك اتجهت الموظفة نحو الطابعة القريبة.
وطبعت مجموعة أوراق جديدة.
ثم غادرت للحظات بعدما ناداها أحد العاملين.
بقيت الأوراق فوق المكتب.
وحيدة.
اقتربت ببطء.
متظاهرًا بتفحص بعض المنشورات الدعائية الموضوعة بجوارها.
ألقيت نظرة سريعة.
ثم ثانية.
وفي الثانية تجمدت مكاني.
كان اسم أمينة ظاهرًا أعلى إحدى الصفحات.
وتحته سجل دفعات متعددة.
مواعيد مختلفة.
ومبالغ متكررة.
ليست كبيرة.
لكنها منتظمة.
شهرًا بعد شهر.
التقطت صورتين بسرعة.
ثم عدت إلى مقعدي قبل أن ينتبه أحد.
بعد دقائق خرج رجل قدم نفسه بصفته مسؤول التنسيق.
جلس معي.
وبدأ يشرح طبيعة العمل.
كيف تشارك بعض الشركات أطفالًا في حملاتها الإعلانية.
وكيف يحصل أولياء الأمور على مقابل مادي لقاء الجلسات.
أخبرني أن الاستوديو يعتمد على الشخص الذي يحضر الطفل بصفته المسؤول عنه، ما دام يوقع التعهدات المطلوبة.
كنت أومئ برأسي.
لكنني لم أكن أستمع حقًا.
لأن
الصورة بدأت تتشكل أمامي.
لم يكن هناك خطف.
ولم يكن هناك احتجاز.
لكن أمينة كانت تأخذ مريم إلى هذا المكان منذ أشهر.
دون علمنا.
وتوقع الأوراق بنفسها.
وتستلم الأموال بنفسها.
وتطلب من مريم ألا تخبر أحدًا.
تذكرت كلمات ابنتي.
الجدة قالت لا أخبر أحدًا.
وفجأة فهمت كل شيء.
لم يكن الباب الأزرق هو السر.
السر كان ما تفعله الجدة خلف ظهورنا.
غادرت المبنى بعد ذلك بوقت قصير.
وفي هاتفي عشرات الصور.
صور لمريم داخل الاستوديو.
وصور لأمينة وهي توقع الأوراق.
وصورتان لسجل الدفعات.
كانت أدلة كافية بالنسبة لي.
لكنها لم تمنحني أي راحة.
لأن الحقيقة التي اكتشفتها لم تكن أقل إيلامًا مما كنت أخشاه.
بعد أقل من ساعة كنت أجلس داخل سيارتي أمام المنزل.
أراجع الصور مرة تلو الأخرى.
وأحاول استيعاب ما رأيته.
ثم وصلت زينب.
نزلت من سيارتها بسرعة.
ودخلت المنزل.
تبعتها بعد لحظات.
وجدتها واقفة في غرفة الجلوس.
شاحبة الوجه.
وعيناها تمتلئان بالغضب والصدمة.
ما إن رأتني حتى قالت
أين أمي؟
أجبت بهدوء
في الملحق الخلفي.
لم تقل شيئًا.
استدارت فورًا واتجهت نحو الباب المؤدي إلى الحديقة.
أدركت أنها بلغت حدًا لم تعد معه قادرة على الانتظار.
لحقت بها.
فتحنا باب الملحق دون استئذان.
كانت أمينة جالسة على سجادة الصلاة.
ترفع يديها بالدعاء.
وحين رأتنا، أنزلتهما ببطء.
ثم نظرت إلى وجوهنا.
وعرفت على الفور أن شيئًا ما قد انكشف.
قالت بصوت خافت
ماذا حدث؟
ألقت زينب مجموعة الصور فوق الطاولة.
تناثرت الأوراق أمامها.
صور مريم.
صور الأطفال.
صور الاستوديو.
صور العقود.
وصورة لتحويل مالي يحمل اسمها.
تجمد وجهها.
ثم أغمضت عينيها.
وكأنها كانت تعلم أن هذه اللحظة ستأتي يومًا ما.
صرخت زينب
لماذا؟!
لم تجب.
تقدمت خطوة أخرى.
وقالت بصوت أكثر حدة
لماذا كنتِ تأخذين ابنتي من دون علمي؟
ظلت صامتة.
ولماذا كنتِ توقعين نيابة عنها؟
صمت.
ولماذا كنتِ تستلمين المال؟
عندها فقط بدأت يداها ترتجفان.
ورأيت الدموع تتجمع في عينيها.
قالت بصوت منكسر
لأنكما لم تكونا لتوافقا.
ارتفع صوت زينب أكثر
طبعًا لن نوافق!
قالت أمينة
كانت مجرد إعلانات للأطفال.
من دون علم أهلها؟

كنت أظن الأمر بسيطًا.
بسيطًا؟!
كادت زينب تفقد أعصابها.
وقالت
تأخذين طفلة في الثامنة من عمرها إلى مكان مجهول، وتطلبين منها ألا تخبر أمها أو أباها، ثم تقولين إنه أمر بسيط؟
انهارت أمينة على الكرسي.
وأخذت تبكي.
بكاءً حقيقيًا.
بكاء امرأة أثقلها التعب والخوف أكثر مما أثقلها الذنب.
وقالت بين شهقاتها
أقسم بالله أنني لم أؤذِ مريم يومًا.
لم ترد زينب.
أما أنا فبقيت أراقبها.
لأن شيئًا ما لم يكن منطقيًا.
خلال عملي الصحفي، رأيت مجرمين حقيقيين.
ورأيت كاذبين محترفين.
لكن هذه المرأة لم تكن تبدو كامرأة تستغل طفلة لمصلحة شخصية.
كانت خائفة.
إلا أن خوفها لم يكن خوف شخص انكشف أمره.
بل خوف شخص يخشى انكشاف سر أكبر منه.
سألتها
إلى أين ذهب المال؟
رفعت رأسها نحوي.
ولأول مرة بدا الارتباك واضحًا على وجهها.
قالت
ليس لي.
ساد الصمت.
نظرت إليها زينب بعدم تصديق.
وقالت
ماذا تعنين بأنه ليس لك؟
أقسم بالله أنه ليس لي.
لكن التحويلات كلها مرت عبر حسابك.
نعم.
إذن أين كانت تذهب؟
أطرقت رأسها.
ثم همست
لا أستطيع أن أقول.
صرخت زينب
حتى الآن ما زلتِ تخفين الحقيقة؟!
قالت أمينة
أنا لا أكذب.
إذن تكلمي.
هزت رأسها ببطء.
وقالت
لا أستطيع.
شعرت أن الحديث بدأ يدور في دائرة مغلقة.
فأخرجت الصورة التي التقطتها لرقم الحساب داخل الاستوديو.
ووضعتها أمامها.
وفي اللحظة التي وقعت عيناها عليها، اختفى اللون من وجهها بالكامل.
كأنها رأت شبحًا.
رفعت رأسها نحوي وقالت
من أين حصلت على هذا؟
من الاستوديو.
أغمضت عينيها.
وأخذت نفسًا طويلًا.
ثم قالت
كان ينبغي أن ينتهي كل هذا منذ زمن.
تبادلت أنا وزينب النظرات.
فقد تغيرت نبرة صوتها تمامًا.
لم تعد تدافع عن نفسها.
بل بدت وكأنها استسلمت أخيرًا.
سألتها زينب
ماذا تقصدين؟
رفعت أمينة رأسها نحو ابنتها.
وكانت الدموع تنساب بصمت على وجنتيها.
ثم قالت
والدك.
تجمدت زينب في مكانها.
وقالت
ماذا؟
والدك.
أبي توفي قبل عامين.
أعلم.
إذن ما علاقته بكل هذا؟
خفضت أمينة رأسها.
ثم قالت
لأن الأموال كانت تمر عبر الحساب المشترك الذي كان بيني وبينه.
ساد صمت ثقيل داخل الغرفة.
قالت زينب ببطء
الحساب المشترك؟
أومأت
أمينة برأسها.
وأضافت
وبعد وفاته بقيت أنا صاحبة الصلاحية عليه.
نهضت ببطء.
واتجهت نحو خزانة قديمة في زاوية الغرفة.
فتحت درجها السفلي.
وأخرجت ملفًا بنيًا سميكًا.
ثم وضعته أمامنا.
ترددت طويلًا.
قبل أن تفتحه أخيرًا.
ظهرت الأوراق واحدة تلو الأخرى.
خطابات مطالبة.
إنذارات سداد.
عقود مالية.
وإيصالات تحويل.
كلها تحمل اسم
 

تم نسخ الرابط