وصية امي حكايات زهرة
المحتويات
السودا اللي ب إطار ماليّة ملامحه، بس النظرة اللي ورا القزاز ما كانتش النظرة الحنينة بتاعة زمان؛ كانت نظرة باردة، نظرة حد مرتب كل حاجة ومقرر بالنيابة عني. وجنبه حماتي، واقفة لافة طرحتها السمرة ومتبتة في شنطتها الخوص، وعينيها بتلمع بانتصار غريب، وكأنها بتقول لي مفيش حاجة هتستخبى علينا يا بنت بندق.
أحمد! إنت بتقول إيه؟ تسحب إيه؟ الفلوس دي تمن شقا أمي، وأنا جاية أربطها شهادة زي ما وصتني وهي بتموت! صوتي طلع مخنوق، طالع بالعافية من صدمتي فيه.
حماتي خطت خطوة لقدام، ولزقت في كتف ابنها، وقالت بصوتها البحراوي التقيل اللي كانت بتفخم فيه الحروف عشان تبان واصية عليا
جرى إيه يا عروستنا؟ هو الأستاذ غريب ولا إيه؟ ده جوزك وسندك، والقرشين دول لو قعدوا في البنك الحكومة هتاكل نصهم بالفوائد والضرائب. أحمد أولى بيهم يفتح بيهم مكتبة محترمة جنب المدرسة، ولا يعمل بيهم مشروع يضمن بيه مستقبله ومستقبل عيالكم اللي جايين. الشقا مش عيب يا بنتي، العيب إنك تخبي على جوزك وتعملي من وراه.
أنا مخبيتش! صرخت واكتشفت إن صوتي عِلي في صالة البنك، والناس بدأت تبص علينا. الموظف اتنحنح وقال ببرود محترفين يا جماعة، لو سمحتوا، مفيش داعي للصوت العالي. يا مدام، الحساب باسمك
أحمد قرب مني، وحط إيده على كتفي بنفس الحنية القديمة اللي خلتني في يوم من الأيام أوافق عليه. نفس ريحة معجون السنان بالنعناع، ونفس النبرة الهادية اللي بتطلع بالهداوة
يا حبيبتي، امسحي دموعك وصلي على النبي. أمك الله يرحمها كانت ست دقة قديمة، ما تعرفش في التجارة ولا السوق. ال 350 ألف جنيه دول لو اتحطوا في شهادة، السنين هتاكل قيمتهم. أنا لقيت حتة أرض صغيرة على أول الداير، صاحبها مزنوق وهيبيعها بتراب الفلوس. هنشتريها ونبني عليها مخزن ونجره لشركة شحن. في ظرف سنة، الفلوس دي هترجعلك الضعف. أنا مش طمعان في حاجتك يا زهرة، أنا بس خايف على مصلحتنا. شيماء أختي جوزها لسه عامل الحركة دي وما شاء الله، بقوا في حتة تانية.
كلامه كان عامل زي البنج، بيبج المخ، بس قلبي كان رافض. افتكرت علبة القطيفة الحمرا اللي نايمة في دولابي، وافتكرت نظرة عيون أمي الحادة وهي بتقول لي ماتتمدش إيدك عليها لحد.. لا إنتي ولا غيرك يلمسها.
مش هسحب يا أحمد. قلتها وأنا بنشف دموعي بطرف طرحتي، وبصيت للموظف كمل الإجراءات يا أستاذ، اربط الفلوس شهادة تلات سنين والعائد ينزل في الحساب.
وش أحمد اتقلب في ثانية. المدرس الهادي، الرزين، اختفى، وظهر مكانه راشد تاني خالص
عروق جبهته برزت من تحت النضارة، وصوته وطى بس كان زي فحيح الأفعى
بقى كدة يا زهرة؟ بتكسري كلامي قدام أمي وقدام الغريب؟ بتفضلي كلام ميتين على مصلحة الحي اللي عايش معاكي؟
حماتي سحبت ابنها من دراعه وقالت بغل واضح
سيبها يا أحمد.. سيبها يا بني، اللي أوله شرط آخره رضا. شكلها كدة واخدانا على طمع وشايفة إننا جايين نسرقها. يلا بينا، والبيت يجمعنا.
فات تلات أيام على خناقة البنك. تلات أيام والبيت عامل زي القبر. أحمد ما بيكلمنيش، يدخل من المدرسة يغير هدومه، ياكل اللقمة اللي أمه بتعملها من ورايا، ويدخل ينام في الأوضة التانية. وحماتي، متبطليش دندنة بأغاني حزينة وصوت الهون شغال من الفجرية كأنها بتعاقبني على صحياني. شيماء أختها مجتش البيت، بس كانت بتلقح عليا ببوستات على الفيسبوك عن الأصل الطيب والست اللي بتصون جوزها في أزمته.
في الليلة الرابعة، كنت قاعدة في الصالة لوحدي، بهبب نفسي بالهوا، والجو كان حر وخنقة. أحمد خرج من الأوضة، وبصلي بنظرة خالية من أي مشاعر، وقعد على الكرسي اللي قدامي.
زهرة.. أنا فكرت كتير في اللي حصل. قالها وهو بيقلع نضارته ويمسحها بياقة قميصه.
ياريت
تمام.. وصية أمك على عيني ورأسي. بس الجواز برضه ليه أصول. إنتي شايفة إن الفلوس دي بتاعتك لوحدك، وإني ماليش كلمة عليكي. وطالما ماليش كلمة، يبقى مفيش لزوم للعيشة دي. أنا هسيبلك البيت كام يوم، تروحي تفكري فيهم كويس.. يا إما الفلوس دي تطلع وندخل بيها في الأرض، يا إما كل واحد يروح لحاله، وأنا مش هعيش مع ست مش مأمنالي.
الكلام نزل عليا زي الصاعقة. طلاق؟ عشان 350 ألف جنيه؟ هو أنا كنت رخيصة عنده للدرجة دي؟ فين الأيام اللي كان بيقف فيها في هواء طوبة ساعتين تحت المطر عشان بس يشوفني؟ فين الحنية والعشرة؟
قبل ما أنطق بكلمة، دخلت حماتي وهي شايلة الشنطة الخوص الكبيرة بتاعتها، بس المرة دي ما كانش فيها برطمانات لفت؛ كانت لامة فيها هدوم أحمد وهدومها. وبصتلي من فوق لتحت وقالت
يلا يا بني.. سيبها لفلوس أمها تنفعها. الدهب اللي في إيديها ده لوحده يجيب حتة أرض، وهي مستخسرة فيك قرشين سيلان. بكرة تندمي يا بنت ال...
مشوا.. وقفلوا الباب وراهم برقعة هزت حيطان الشقة الإيجار اللي كنا ساكنين فيها.
قعدت في الأرض أعيط لحد ما عيوني ورمت. بقيت محتارة
متابعة القراءة