حنين لطليقى
بيقولي إن القلم ده، رغم قسوته ورغم إنه غالي أوي، كان لازم ييجي. كان لازم أفوق من وهم الحنين وأعرف إن الباب ده اتقفل برحمة من ربنا، وإن الوش الحقيقي اللي شفته النهاردة هو الوش اللي كنت هعيش معاه في جحيم لو كنت رجعتله.
وصلت البيت، دخلت أوضتي وقفت قدام المراية. بصيت لوشي الشقيان اللي تريقت عليه.. الوش اللي تعب وشال واستحمل نكد وهم سنين مع راجل مبيعرفش يعني إيه أصل. مسحت دموعي بعنف، وأخدت نفس طويل.. طويل أوي، وحسيت لأول مرة من خمس شهور إن الوجع بدأ يتحول لحاجة تانية.. بدأ يتحول لقوة.
فتحت دولابي، طلعت هدومي ودخلت الحمام. فتحت المية الساقعة ونزلت تحتها بكامل هدومي، كنت عايزة أغسل الوجع، وأطفي النار اللي قادت في جسمي من كلامهم. المية كانت بتنزل على وشي وتختلط بدموعي، وساندة راسي على الحيطة وأنا بترعش.. بس الرعشة دي مكنتش من الساقعة، دي كانت رعشة الصدمة وهي بتطلع من عروقي.
قعدت في الأرض والمية نازلة عليا، وافتكرت كلمتها صلاحيتك انتهت كست. ضحكت وسط بكايا ضحكة عالية ومكتومة.. أنا صلاحيتي تنتهي؟ أنا اللي شيلت، واستحملت، وبنيت، وهدّيت من صحتي وعمري عشان أعمل بيت؟ الأيام والشقا اللي على وشي دول هما شرفي وأصلي، مش عيبي!
قمت، غيرت هدومي، ونشفت شعري. وقفت تاني قدام المراية، وبصيت لملامحي كويس جداً. المرة دي مش بانكسار، المرة دي بتحدي.
مسكت تليفوني.. فتحت قفل الشاشة وإيدي ثابتة مبترتعشش. دخلت على اسمه، وعملت حظر من كل حتة.. اتصال، واتساب، وفيسبوك. مسحت الرقم نهائياً وكأنه لم يكن. خطوة مسح الرقم دي كانت بالنسبالي زي اللي بيقفل باب القبر على جثة ماتت وعفنت ومبقاش ليها مكان وسط الأحياء.
فتحت اللاب توب بتاعي، وقعدت على السرير. كنت محتاجة أهلك تفكيري في أي حاجة تانية.. في شغلي، في رواياتي، في طموحي اللي أجلته كتير عشانه. فتحت صفحة بيضا، وبدأت صوابعي تتحرك على الكيبورد بعنف، كنت بكتب وبفرغ كل شحنة الغضب والقهر دي في الكلمات. كل كلمة بكتبها كانت بتسحب حتة من الوجع وتطلعه برة قلبي.
تليفوني نور جنب مني.. كانت رسالة من واحدة صاحبتي بتطمن عليا. مكنتش قادرة أحكي، ومكنتش عايزة صعبانيات من حد. كتبت لها أنا كويسة جداً يا حبيبتي، الحمد لله.. فوقت.
وفعلاً، أنا كنت فوقت. القلم كان غالي وموجع ودمّر كرامتي في لحظتها، بس في وقته.. صحاني من وهم كبير اسمه يمكن يتصلح. عرفت إن ربنا لما بيبعدنا عن حد، مبيكونش بيحرمنا، ده بيكون بيحمينا.
نمت ليلتها نوم عميق، من غير كوابيس، ومن غير ما أصحى في نص
عدى أسبوع.. وأسبوع ورا أسبوع، والموضوع بدأ يتحول من وجع وقهر لتحدي حقيقي مع النفس. مشيرة القديمة اللي كانت بتصحى بدموع وعين مانمتش خلاص اختفت، وحل مكانها حد تاني خالص.. حد هادي، بارد، ومركز جداً في مستقبله.
نزلت اشتريت هدوم جديدة، غيرت قصة شعري، وبدأت أهتم بنفسي من تاني، مش عشان حد ولا عشان أثبت للي يسوى واللي ميسواش إني حلوة، لأ.. كنت بعمل ده لنفسي، عشان أصالح مشيرة على كل يوم قصرت فيه في حق نفسها.
وفي يوم، كنت قاعدة في كافيه براجع المسودة الأخيرة للرواية الجديدة اللي كنت بكتبها بكل شغفي، وفتحت الفيسبوك بالصدفة من أكونت الشغل الشبه مهجور بتاعي. لقيت قدامي بالصدفة البحتة بوست نازل على جروب مشترك.. كان هو.
نزلت عيني على صورته.. كان باين عليه الهم، وشه خطط والتجاعيد بدأت تظهر عليه، ولابس قميص مش مكوي، حتى البنت اللي كانت معاه مكنتش موجودة في أي مكان في بروفايله، وعرفنا بعد كدة من ناس مشتركة إن التفاح الأمريكاني سابته وراحت لغيره أول ما لقت فلوسه بدأت تقل، وإنه اكتشف إن الدلال والمكياج الكتير مبيعملوش
بصيت لصورته ولقيت نفسي مفيش جوايا أي مشاعر.. لا شماتة، ولا زعل، ولا حتى حنين. كان بالنسبالي مجرد شخص غريب عابر شوفت صورته بالصدفة في الشارع. حسيت براحة غريبة وملت قلبي، وقرفت من نفسي إني في يوم من الأيام عيطت بسببه أو نزلت من كرامتي علشانه.
قفل تليفوني وحطيته في الشنطة، وأخدت نفس عميق وأنا ببتسم وبصيت لصفحات روايتي اللي قربت تخلص.. الرواية اللي بكتب فيها بكل فخر عن الست القوية اللي بتقوم من تحت الأنقاض وتبني نفسها من جديد.
وفجأة تليفوني رن برقم غريب.. رقم مش متسجل عندي. قلبي مَدقش ولا اتهز، رديت بكل برود وهدوء ألو؟.
جالي صوته من الناحية التانية.. صوت مهزوز، مكسور، ومليان ندم وهو بيقول مشيرة.. أنا آسف.. أنا عارف إني ماليش عين أكلمك، بس الدنيا لفت بيا وعرفت إنك كنتِ كل حاجة حلوة في حياتي.. أنا محتاجلك أوي.
ضحكت ضحكة خفيفة من قلبي.. ضحكة حقيقية مش صفرا ولا خبيثة، وقولتله بكل ثقة وثبات أهلاً يا جاسر.. للأسف، الصلاحية انتهت، والكرت المحروق مبيولعش تاني.. مع السلامة.
قفلت السكة في وشه من غير ما أستنى رده، وعملت للرقم الجديد حظر. قفلت اللاب توب بتاعي، ولميت حاجتي، وقمت مشيت وأنا حاسة إني طايرة.. الأرض مش سايعاني من الفرحة، مش عشان ندم، بس عشان عرفت وتأكدت إن حقي رجعلي تالت ومتلت، وإن ربنا ما