مراتى خدامه فى بيت صاحبى
“عندك حق.. عندك حق تقول أكتر من كده كمان.. العيب مش عليك، العيب على اللي صانتك وشالتك في وقت ما كنتش لاقي فيه تاكل. أنا كنت أصيلة معاك، عشت معاك على المرة قبل الحلوة، وأنت طلعت واطي.. واطي ومقَدّرتش النعمة اللي كانت في إيدك!”
رأفت بربش بعينه واتفاجئ من لهجتها، لسه هيفتح بقه عشان يقاطعها، راحت رافعة إيدها في وشه وكملت بنفس القوة:
“أنا كنت بنزل من النجمة، أتبهدل وأشقى في المدارس والبيوت، وكنت بموت في اليوم ميت مرة خوفاً على مشاعرك.. خفت أصارحك وأقولك إني بخدم في البيوت عشان مجرحش رجولتك! قولت بلاش أكسر ضهره ولا أخليه يحس بقلة الحيلة وهو قاعد مش لاقي شغل.. طلعت أنا اللي بخاف على رجولة واحد ميعرفش عنها حاجة! واحد ساب مراته تتبهدل وهو نازل تصيف وفسح مع أصحابه وبتحوش من ورايا بالدهب!”
قربت منه خطوة، وعينها بقت في عينه مباشرة وقالت بكل حسم:
“لكن من النهارده.. أنا مش عايزة أعرفك، ولا عايزة أعيش معاك ثانية واحدة تانية.. طلقني يا رأفت! طلقني وروحي شوف اللي تناسبك، وتليق بمقامك العالي أوي.. ويارب.. يارب بدعي من كل قلبي وجوارحي، تلاقى واحدة شبهك.. شبهك في ندالتك وبجاحتك وعمى عينك، عشان تدوق اللي أنا دوقتها وفوقه زيادة!”
أول ما خلصت جملتها، دارت ضهرها ليه بكل برود، وسابته واقف في وسط المطبخ مذهول، الكلمات نزلت عليه زي المطارق، ومبقاش عارف ينطق ولا كلمة من صدمته في ”
جنه” الجديدة اللي واقفه قدامه
رأفت وقف مكانه ثواني، وشه جاب ألوان، الكبرياء المزيف اللي جواه مسمحلوش يتراجع ولا يعتذر، بالعكس، حب ينهي المشهد وهو حاسس بالانتصار الوهمي.. بصلها وبكل قسوة وبجاحة قالها: “أنتِ طالق يا جنه.. والباب يفوت جمل”.
الكلمة طلعت
جنه أخدت قرار حاسم؛ سابت خدمة البيوت تماماً، وقررت إن كرامتها اللي اتجرحت لازم تترد بالقانون. أول حاجة عملتها، راحت لمحامي شاطر ورفعت قضايا نفقة على رأفت.. نفقة متعة، ونفقة عِدة، ونفقة للأولاد. ولأن رأفت كان محوش مبلغ كبير وبقى يشتغل في شغل بمرتب عالي، المحامي قدر يثبت دخله الحقيقي قدام المحكمة، والقاضي حكم لها بنفقة محترمة جداً ومناسبة تضمن لها ولأولادها حياة كريمة.
جنه ركزت كل طاقتها في شغلها الأساسي في المدرسة كـ “دادة”.. بقت تروح الصبح وهي راسها مرفوعة، وسط المدرسين والطلبة اللي بيحبوها وبيحترموا أمانتها وشقاها. المرتب اللي بتاخده من المدرسة، مع مبلغ النفقة اللي بيطلع من عين رأفت كل شهر بحكم المحكمة، خلوها تعيش مستورة.. مستورة ومرتاحة البال.
مبقتش محتاجة تتبهدل في بيوت حد، ولا بقت خايفة من نظرة خذلان في عين حد. قدرت توفر لأولادها كل اللي محتاجينه، وفتحت بيتها الصغير بالهنا والرضا.. وعرفت رأفت والمحكمة إن الست الأصيلة لما بتقرر تقفل الصفحة، بتقفلها بالوداد.. ولما بتتحارب، بتاخد حقها بالـقـانـون.
أما رأفت، فالدويرة لفت بيه بسرعة مكنش يتخيلها. أول ما طلق جنه، افتكر إن الدنيا هتتفتحله برجلين، وإن الفلوس اللي في البنك والمظهر الكداب اللي عايش فيه هيجيبوا له ست هوانم ترفع راسه زي ما كان بيتوهم.
بدأ يدور ويسأل، وكل ما عينه تيجى على واحدة ويروح يتقدم، الأيام تلف وتجيب سيرته. حكايته مع جنه مبقتش سر، الناس في منطقته وفى وسط صحابه عرفوا كل حاجة؛
الناس بقت تخاف منه، وأي أب كان يروح يتقدم لبنته كان يرفضه وهو حاطط عينه في عينه ويقوله: “اللي ملوش خير في أم عياله وصاينت عرضه في عز زنقته، ملوش خير في بنات الناس.. إحنا نأمن لبنتنا مع راجل، مش مع واحد قليل الأصل”. الحكاية بقت تلاحقه في كل مكان كأنها لعنة، ومبقاش فيه ست نظيفة ترضى بيه أو تأمنه على نفسها بعد ما عرفوا طبع الندالة اللي جواه.
وفى نفس الوقت، رأفت لقى نفسه لوحده في شقة ضلمة.. مفيش اللقمة النظيفة اللي كانت بتعملها جنه، ولا فيه الدفا ولا الست اللي بتدبر وتوفر. عشان يعوض النقص اللي جواه ويحاول يثبت لنفسه وللناس إنه عايش ومبسوط، بدأ يبعزق فلوسه كلها على المظاهر الكدابة؛ لبس غالي، وساعات، وخروجات ملهاش لازمة.
مرتب الشغل الجديد والمبلغ اللي حوشه بقوا يتسربوا من بين إيديه زي المايه.. مفيش بركة. حياته بقت كلها أكل مطاعم ودليفري، والفلوس اللي كان خان مراته وعياله ومنعها عنهم عشان يحوشها، بقت تضيع يمين وشمال على الفشخرة الفارغة وعلى بطنه، لحد ما لقى المحفظة بتفضى، والبنك بيصفر، والنفقة اللي المحكمة فرضتها عليه لـ جنه وأولادها بقت تقطم ضهره كل أول شهر.
رأفت صحي في يوم، لقى نفسه لا طال مظهر يشرف، ولا طال لقمة تتبلع، ولا لقى الست اللي تملى عليه دنيته.. وبقى قاعد بطوله، ندمان في وسط فلوسه اللي ضاعت، وعارف إن خسارته لـ جنه كانت هي الخسارة الحقيقية اللي ملوش قومة بعدها
أما جنه، فموقفتش مكانها.. الوجع اللي عاشته مكسرهاش، بالعكس، كان هو الشرارة اللي نورت ليها طريق جديد خالص. بعد ما استقرت في حياتها
جنه أخدت قرار مصيري.. قررت تكمل تعليمها. سألت وعرفت الخطوات، وسحبت ورقها وقدمت في الجامعة “تعليم مدمج” تخصص رياض أطفال، وهو المجال اللي كانت بتعشقه وبتموت فيه، وبحكم شغلها في المدرسة كانت قادرة تفهم الصغار ونفسيتهم كويس جداً.
الأيام مكنتش سهلة، كانت بتصحى من النجمة تروح شغلها، وترجع تذاكر وتراعي ولادها وتشوف طلباتهم، وتاني يوم تروح الجامعة.. ضغط وتعب مش أي حد يستحمله، بس العزيمة اللي جوه قلبها كانت بتدّيها طاقة تهد جبال.
سنة ورا سنة، وجنه بتنجح وبتتفوق، لحد ما اليوم الكبير جه.. يوم التخرج. وقفت جنه بروب التخرج والشهادة في إيدها، ودموع الفرحة في عينها وهي شايفة نظرة الفخر في عيون ولادها اللي بقوا يكبروا قدامها.
المدرسة اللي كانت شغال فيها “دادة” مكانتش غافلة عن كفاحها. أول ما جنه أخدت الشهادة وطورت من نفسها وأخدت كورسات في طرق التدريس الحديثة وتعديل السلوك، إدارة المدرسة قررت ترقيها فوراً وتعينها مدرسة رياض أطفال في نفس المكان!
اتغيرت مكانتها، وبقت تدخل الفصل وهي لابة اللبس الشيك، والكتب في إيدها، والابتسامة مش بتفارق وشها. الأطفال بقوا يعشقوها لأنها بتتعامل بقلب أم وعقل مدرسة فاهمة ومتعلمة.
جنه طورت نفسها أكتر وأكتر، وبقت تعمل وسائل تعليمية مبتكرة، وبقى اسمها بيتردد في المدرسة كلها كواحدة من أشطر وأنجح المدرسات.. وبقت عايشة في وسط ولادها، راسها في السماء، مكرمة، ومعززة، بعد ما أثبتت لنفسها وللدنيا كلها إن الست الأصيلة لما بتقع، بتقوم
بكتير من الأول.
تمت بقلم امانى سيد