عزاء امى

لمحة نيوز

يوم وفاه امى جم أهل جوزى عندنا عشان يعذوا

وفى وسط العذا جوزى طلبنى اروحله ضرورى

روحت لجوزى لقيته بيقولى سيبى العذا وروحى اعملى اكل لاهلى عشان زمامهم جعانين وشويه وهيمشوا

بصيتله بزهول ازاى مش واخد باله من مشاعرى ولا وجعى وقهرتى ولا شايف دموعى

الكلمة وقفت في حلقي، وحسيت إن الدنيا بتلف بيا. أمي.. أمي اللي لسه مالحقتش أستوعب إنها سابتني، أمي اللي حتة من قلبي اتدفنت معاها تحت التراب من كام ساعة بس!

حسيت بنبضات قلبي سريعة وبتوجع، وكنت عايزة أصرخ في وشه وأقوله: “أنا أمي ماتت! أنت مستوعب يعني إيه أمي ماتت؟”، بس الصوت مطلعش. نظراته كانت عادية، باردة، وفيها استعجال وكأننا في عزومة عادية ومش في عزا أغلى الناس.

بلعت ريقي بصعوبة، ودموعي اللي مالمحتش في عينه أي تعاطف معاها نزلت تاني زي الشلال. اتسحبت من وسط الصوان ودخلت المطبخ وجسمي كله بيترعش. كنت واقفة قدام البوتاجاز والحلل، . مسكت الس*كينة عشان أقطع الخضار، وكنت بحس إن كل خطوة بعملها بتدوس على جرحي وتنزفه أكتر.

جوه المطبخ والدموع مغمية عيني، كنت بحاول أتحكم في رعشة إيدي وأنا بحط الأكل في الأطباق، والنار اللي في قلبي قايدة. فجأة، سكت صوت الخلاط والحلل، وبدأ يوصل لمسامعي صوت همس وضحك مكتوم جاي من الصالة القريبة من المطبخ.

وقفت مكاني وكتمت نفسي عشان أستوعب. كان صوت حماتي وأخت جوزي.

سمعت أخته وهي بتقول

بنبرة كلها تريقة وسخرية: “يا بنتي شفتي الست اللي كانت قاعدة تولول بره دي؟ شكلها يفطس من الضحك، دي ناقص تجيب عياط بالندب! والناس اللي جاية تعزي دول كوم تاني، جايبين لبس منين دول؟”

ردت عليها حماتي بضحكة خاففتة وقالت: “سيبك منهم، ناس بيحبوا المظاهر وخلاص. أنا اللي هيموتني من الجوع الريحة اللي طالعة من المطبخ، ياه.. زمانها بتطبخ من غير نفس، بس أهو أحسن من قعدتنا دي. الواحد جاله اكتئاب من الوجوه المقفلة بره.”

وقفت مكاني تاني لما سمعت صوت حماتي وهي بتكمل كلامها بنبرة كلها قسوة وجبروت.

قالت لبنتها وهي بتميل عليها: “هي فاكرة إنها بقى هتاخد حجة أمها فرصة وتقعد وتريح على حساب إنها زعلانة على أمها؟ لا يا حبيبتي، خليها من أول لحظة تشوف مسؤوليتها.. الحزن في القلب!”

بنتها هزت رأسها بالموافق وقالت: “عندك حق يا ماما، أصل الستات اليومين دول بيحبوا يعملوا من الحبة قبة عشان يهربوا من طلبات البيت.”

الكلام شل حركتي تماماً. “الحزن في القلب”؟! الكلمة دي اتقالت بكل برود وكأن أمي اللي ماتت دي مجرد دور برد وهيروح! هما مش بس معندهمش رحمة، دول مرتبين ومخططين يكسروني من أول يوم، ومستخسرين فيا حتى دمعتي وحزني على أمي اللي فارقتني.

أخدت خطوة واسعة وطلعت الصالة، وعيني بتدور على جوزي اللي سابني في قهرتي عشان أخدم أهله. بس المشهد اللي شفته خلاني أتسمر في مكاني، والصدمة لجمت

لساني تماماً.

جوزي كان قاعد في الركن التاني من الصالة، مندمج في الكلام مع بنت خالته اللي كانت قاعدة جنبه. وشهم في وش بعض، وشكلهم في قمة الانسجام والراحة، والابتسامة مش مفارقة وشوشهم، لدرجة إنها ضحكت بصوت مكتوم وهو مال عليها بابتسامة واسعة وكأنهم في سهرة ترفيهية، مش في بيت جنازة وأم مراته لسه مدفونة!

بنت خالته كانت بتتكلم بدلع وهي بتعدل طرحتها، وهو عينه في عينها، بيسمع لها باهتمام وشغف عمري ما شفته منه وأنا بشتكي له من تعبي أو وجعي. الضحكة والانسجام اللي على وشوشهم كانوا زي طعنة وفوقيها مية نار بتنزل على جرحي.

وقفت في النص.. حماتي وبنتها من ناحية بيتكلموا على حزني بكل جبروت، وجوزي وبنت خالته من ناحية تانية عايشين في عالم تاني خالص من الفرفشة والضحك.

في اللحظة دي، الصينية اللي في إيدي حسيت إنها جمرة نار. بصيت لجوزي اللي لسه ما انتبهتش لوجودي من كتر اندماجه، وحسيت إن كل ذرة حب أو احترام كانت جوايا للشخص ده ماتت واندفنت مع أمي في نفس اليوم

حطيت صينية الأكل قدامهم على الترابيزة بكل قهر الدنيا، وإيدي كانت بتترعش والدموع مغمية عيني. ما بصيتش في وش حد منهم، ولا استنيت أسمع كلمة واحدة. لفيت ضهري وبمنتهى الحسم أخدت عبايتي ومفاتحي وخرجت من الشقة كلها، وسبت ورايا بيت مفيش فيه ريحة الرحمة.

رجعت على بيت أمي.. البيت اللي كان دايماً أماني، ودلوقتي بقى فاضي

ومكسور. دخلت وسط خالاتي وقرايبي عشان أكمل واجب العزا، وهناك بس حسيت إني قادرة أتنفس وأصرخ وأعيش وجعي وسط ناس بجد حاسة بقيمتها وبتبكي عليها من قلبها.

الأيام مرت وأنا قاعدة في شقة أهلي، وجوزي ما فكرش حتى ييجي يقف جنبي، ولا كأني مراته ولا كأن اللي ماتت دي كانت بمقام أمه. مرت أول ليلة وتاني ليلة وهو مش هنا، ومكلّفش نفسه حتى يسأل عليا أو يقولي مواساته الحقيقية.

وفي وسط الأيام دي، كل اللي عمله إنه اتصل مرتين تلاتة بالعدد.. مكالمات باردة وسريعة، وبنبرة خالية من أي مشاعر، مجرد اتصالات “من باب الواجب” قدام الناس عشان يرفع الحرج عن نفسه، ويسأل ببرود: “عامله إيه؟ شديل حيلك.. طيب هتيجي امتى عشان البيت؟”

كل مكالمة منه كانت بتأكد لي إن الشرح الباقي في علاقتنا انتهى، وإني بقيت في مكان، وهو وأهله في مكان تاني خالص.

بعد كام يوم قضيتهم في بيت أمي وسط ذكرياتها ووجع فراقها، لقيت نفسي مضطرة أروح الشقة عشان ألمّ شوية هدوم ليا وحاجات ضرورية أحتاجها للفترة الجاية. فتحت الباب بالراحة، وكان البيت هادي هدوء غريب ومقبض، كأن الحيطان نفسها حاسة إن كل حاجة هنا اتهدت.

دخلت الأوضة وبدأت أجمع الهدوم وأحطها في الشنطة وإيدي لسه بترعش، وفجأة سمعت صوته جاي من الصالة. كان بيتكلم في التليفون.. بس الصوت المرة دي كان غريب عليا، صوت مليان حنية ولهفة وضحك من القلب، نبرة عمري ما سمعتها

منه وأنا بشتكي له من تعبي أو بقاسي في حزني.

تم نسخ الرابط